الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فالحمد لله الذي أيقظك من هذه الغفلة العظيمة التي لو مت عليها لكنت خالداً مخلداً في جهنم وبئس المصير، واعلم أن ما ذكرت من ضيق الرزق -فضلا عن غيره- ليس مبرراً لك على الإطلاق في ما وقعت فيه، وأي ضيق رزق يحملك على أن تكون من أعوان الشيطان الذي يضلون عباد الله، وهل هذا إلا سوء ظن بالله الخالق الرازق القائل: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (هود:6)، والقائل: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ*فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (الذريات:23)، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نسف حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته. رواه عبد الرزاق في مصنفه، وصححه الألباني.
فإذا كان العبد منهياً أن يحمله استبطاء الرزق على أن يطلبه بمعصية الله، فكيف إذا حمله على أن يطلبه بما هو كفر بالله العظيم، أو ليس هذا من أعظم سوء الظن بالله، وكذلك ليس هناك مبرر في الظروف أو الوحدة، أو انعدام الصحبة الصالحة يبرر الوقوع في ما وقعت فيه، فكل هذه المبررات أوهى من خيوط العنكبوت، فكم تعرض المؤمنون لفتن وظروف صمدوا فيها وخرجوا منها وهم أرسخ إيماناً وأعظم إسلاماً، روى البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا، فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون، يقول الإمام ابن بطال رحمه الله: إنما لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم سؤال خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى: ادعوني أستجب لكم، وقوله: فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، لأنه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها، كما جرت به عادة الله تعالى في من اتبع الأنبياء فصبروا على الشدة في ذات الله، ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر.
ولذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما أغبط أحدا لم يصبه في هذا الأمر بلاء.
فالابتلاء سنة ربانية وحقيقة شرعية، قال تعالى: الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:1-3)، فتب إلى الله والجأ إليه فإنه القائل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (الزمر:54-54)، واقطع كل علاقة لك بهؤلاء المنصرين الضالين، وامتنع تماماً عن ترجمة كتابهم المحرف، واستغل معرفتك بالترجمة لتحصل على عمل مباح، بدلا من هذا العمل الخبيث، وثق بربك وأحسن الظن به، فهو لا يضيع من أطاعه، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يتَوكلْ علَى اللهِ فَهُو حسْبُه(الطلاق:2-3)، ومن تمام توبتك أن تبين ضعف وهشاشة عقيدة هؤلاء المنصرين لمن أضللتهم خاصة، وللناس عامة، وأبشر بحسن الجزاء من الله.
وراجع الفتاوى التالية أرقامها: 6121/28483/21081/13270.
والله أعلم.