الصفحة 103 من 115

وروى ابن عبد البر في جامعه (ص: 938) بسند صحيح عن مالك بن أنس أنه كان يقول:"الكلام في الدين أكرهه، وكان أهل بلدنا يكرهونه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر ونحو ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في الدين وفي الله فالسكوت أحب إلي؛ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا ما تحته عمل".

وروي عن الشافعي قوله:"إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى أو الاسم المسمى فاشهد عليه أنه من أهل الكلام ولا دين له".

وقال أحمد بن حنبل:"لا يفلح صاحب كلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل".

وقال أبو حامد الغزالي (إحياء علوم الدين: 1/ 83) :"وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة؛ فإن ما يشوشه الجدل أكثر مما يمهده، وما يفسده أكثر مما يصلحه ...".

قال أبو عمر بن عبد البر (ص: 942) :"أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم". اهـ

نضرب مثالا لذلك بمسألة وجود الله سبحانه وتعالى: أولا ابتدروها باستبدال لفظ الجلالة بكلمة الصانع؛ فقالوا: باب إثبات وجود الصانع، ثم استطردوا في إيجاد الأدلة الحسية والعقلية، ووضع القوانين والأصول المقيدة حتى أفضى بهم الأمر إلى جعل العقل حاكما على النقل، ورد أخبار الآحاد، وتأويل ما سموه متشابها، والتشكيك في عصمة الأنبياء، ونفي دليل الإجماع وغيرها من الطّوام.

أول خطأ منهجي وقعوا فيه هو بناء الكليات العقلية على الأقيسة المنطقية، والصحيح أن تبنى الكليات على نتائج استقراء الوحيين؛ فبدل التسليم لمبادئ النصوص سلّموا لمبادئ الفلسفة اليونانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت