فهرس الكتاب
ثم، لماذا دليل ثبوت الأعراض؟! ولو جئنا للاكتشافات العلمية لأتينا بألف ألف ألف دليل على وجود الله سبحانه، مثلًا قول الفيزيائيين كمقدمة كبرى: إن الحرارة دائما وأبدا تنتقل من الجسم الساخن إلى الجسم البارد، ولا تتوقف حتى تستوي حرارة الجسمان. وكمقدمة صغرى: نرى الآن أن الشمس حرارتها أكبر من حرارة الأرض؛ فالنتيجة: تباين حرارة الشمس والأرض دليل على حدوثهما، لأنه لو كانتا أزليتان لتساوت حرارتهما، بل لتساوت حرارة كل أجسام الكون؛ إذن الكون حادث، وللحادث خالق، ولا بد أن يكون الخالق أزليا سبحانه وإلا وقعنا في التّسلسل.
ولقد أخذ المرابط على ثغر الإسلام مالك بن نبي رحمه الله بالنظريات المستحدثة في أوروبا لإثبات وجود الله عز وجل بنفس منهجهم، إقامة للحجة، وردا على الشبهة، واتبع المنهج البرهاني الذي سبقت الإشارة إليه؛ وبالفعل شهد كتابه الفذ"الظاهرة القرآنية"رواجا منقطع النظير في أوروبا، وأسلم بسببه كثير من العلمانيين.
ينظر مثلا: مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية، الظاهرة الدينية، ص: 69 - 81.
أما الخوارج فقد كانوا جهّالا معرضون عن حقائق العلم إلى أن نبغ فيهم ابن الأزرق؛ فَرَاح يقيس ويناظر حتى بلغ علم العقيدة فصنع فيه ما صنع في باقي العلوم فضَلَّ، وزاد الطين بلّة التقاؤهم بالمعتزلة؛ حيث صادف هؤلاء برميلا فارغا فملؤوه بتهوّكهم وهوسهم [1] ، فكانت الخوارج من أوائل الآخذين بطرق الكلام بعد القدرية والجهمية والمعتزلة.
5/ 5/6/ 2/ العلوم الأخرى:
وقد تعلق أيضا التعمق المذموم والتنطّع في المسائل بباقي العلوم الشرعية:
-في الفقه: التناظر والجدل في مسائل الفقه لأهل التخصص محمود عموما ما لم يفضي إلى محظور كالشحناء والبغضاء، والتدابر والتنافر، قال ابن عبد البر (جامع بيان العلم، ص: 983) :"وأما الفقه"
(1) أثر المعتزلة على الخوارج ظاهر وشديد، ينظر في ذلك رسالة عبد القادر الحفظي المذكورة سابقا.