فهرس الكتاب
و"الغيلة"قتل شخص من حيث لا يعلم وهو آمن [1] ، وهو"قتل عمد" [2] إلا أن الأول لا تسقط عنه عقوبة القتل بالعفو لأنه حق الله عند السادة المالكية بخلاف الثاني، وفيهما نزلت آية البقرة: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} ، وآية الإسراء: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} وغيرهما.
الفرق بين الغيلة والبغي أن الغيلة تكون من أفراد، والبغي من جماعات لها عدة وسلاح.
وقد يفرق بين الغيلة والحرابة بأن الأولى تكون لصوصيةً بالمصر، والثانية مجاهرة باللصوصية في المصر وقطعا للطريق خارجه.
4/ 3/3/ الإباضية بغاة:
سبق وأن قلنا إن الإباضية بغاة [3] ، ولهم على أهل السنة من الأحكام ما للبغاة، لكن يبقى النظر في جنس البغاة، هل كلهم نوع واحد أم يتفاضلون؟ الصحيح الثاني.
وجه التفاضل: فيما يدعو إليه الباغي؛ فإن دعا إلى حق كان باغيا [4] ، وإن كان يدعو إلى بدعة سمي باغيا فاسقا؛ فإن كانت البدعة عقَدية كان باغيا فاسق عقيدة، وخالف في هذا أبو حنيفة إذ جعل كل باغٍ فاسقا ببغيه.
(1) كفعل ابن ملجم قاتل علي بن أبي طالب.
(2) قتل العمد أعم مطلقا من الغيلة.
(3) وهو قول أبو حنيفة والشافعي ومتأخري الحنابلة، وجمهور الفقهاء، وكثير من أهل الحديث، قاله في المغني، وأيضا قول مالك رحمه الله كما حقق القاضي أبو إسحاق البغدادي.
(4) وهذه تحتاج إلى تفصيل: لأنه يكْبر أن نصِف الداعي إلى الحق بالسيف باغيا؛ فهل خروج الحسين بن علي بغي؟ وهل خروج أهل الحرّة بالمدينة بغي؟ الجواب: كل هؤلاء الأفاضل ليسوا ببغاة؛ لأنهم آخذين بمحكم الآيات، متبعين للسنن الواضحات، لكن الخطب فيمن خرج طلبا للحق بعدهم؛ حيث فهم من ابن حجر - رحمه الله - أن الإجماع استقر بعد خِلاف على عدم جواز الخروج على الحاكم - ولو كان ظالما - لِمَا رأوا من الفتن والدماء والتعدي الذي يقع بسبب ذلك؛ فكأنهم غلبوا درء المفاسد على جلب المصالح، والمحافظة على الأبدان على المحافظة على الأديان، وعليه لا يجوز بحال خرق هذا الإجماع إلا بإجماع يضاهيه.
قال الحافظ ابن حجر في تهذيبه (2/ 288) في ترجمة الحسن بن صالح بن حي رحمه الله:"وقولهم: كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه".اهـ