الصفحة 62 من 115

"وجاء في الحديث أن رجلًا أعرابيًا [قيل هو قبيصة بن جابر[1] ]أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني أصبت ظبيًا وأنا محرم، فالتفت عمر إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال: قل، فقال عبد الرحمن: يهدي شاة، فقال عمر: اِهد شاة، فقال الأعرابي: والله ما درى أمير المؤمنين ما فيها حتى استفتى غيره! فخفقه عمر رضوان الله عليه بالدرة، وقال: أتقتل في الحرم وتغمص الفتيا! إن الله عز وجل قال: {يحكم به ذوا عدل منكم} ، فأنا عمر بن الخطاب، وهذا عبد الرحمن بن عوف"/ الكامل للمبرّد (3/ 1080) .

5/ 3/1/ فوائد ونكت مستنبطة من الواقعة:

فائدة: غَمْصُ نعمةِ الله: بمعنى كفرُها، وغمصتَ الرجل: بمعنى طعنتَ فيه وعِبتَه. وحقيقة اللفظ أنه داء يصيب العين، وكذلك الرَّمَص واللَّحَح واللَّخَص، وغمط وغمص وغمز تتقارب معانيها وتترادف.

فائدة أخرى: ومن جنس قياس الشبه الصوري أنه حَكَم للظبية بشاة، لقوله تعالى: {فجزاءُ مثلِ ما قتل من النعم} وبه قال الشافعي الذي جعل المثل هنا خلْقيا عكس أبي حنيفة الذي جعل المثل معنويا أي قيمة، والأول أصح. والشاة مشترك بين الضأن والماعز، والعرب تلحق الظباء بالماعز والأبقار بالضأن، فيعلم أنه أراد بالشاة الماعز.

فائدة ثالثة: قدّم عمر حُكم عبد الرحمن حتى يكون حكم الإمام قاطعا، قاله المبرّد.

ورابعة: طريقة عمر في الحكم الأخذ بالقوة والعزيمة؛ فلم تلُح بوادر الخروج عن الإمام في زمنه لشدته في الحق وقمع المتنطع (كما في قصة صبيغ) ؛ وبهذا تعرف أن علاجَ داء الخوارج يكون بالشدة كطريقة الفاروق ابن الخطاب والإمام علي والأمير عبد الرحمن بن خالد بن الوليد

(1) وهو من كبار التابعين وفقهائهم وفصحائهم، ومما أثر عنه أن عمر بن الخطاب قال له في قصة ذكرها:"يا قبيصة إني أراك شابا فصيح اللسان فسيح الصدر، و إن الرجل قد يكون فيه عشر خصال تسع منها حسنة وواحدة سيئة فتفسد الواحدة التسع؛ فإياك و عثرات اللسان، و في رواية: وعثرات الشباب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت