فهرس الكتاب
أجمع وأفضل ما صُنف فيهم): حدثني سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: أقبل رجلان من أهل الحجاز حتى قدما العراق فقيل لهما ما أقدمكما العراق؟ قالا: رجونا أن ندرك هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله، فوجدنا علي بن أبي طالب قد سبقنا إليهم - يعنيان أهل النَّهروان -
فهذان الصحابيان يظهر أنهما قعدا عن اقتتال معاوية وعلي كحال سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر [1] وغيرهم، لكن قاموا إلى الخليفة الحق لما سمعوا بخروج المارقة، وكذلك يفعل كل من يسمع بما وعدَ الله عز وجل من الثواب لمقاتلهم.
وسابعة: من الفوائد الفرائد أن الحكم الشرعي قد يذهل عنه أولي العقول، ويعمى عليه ذوي البصائر، مع أنه واضح للعيان جلي، نص عند التنازع قوي؛ فالأمر بالجماعة جاء فيه ثمانية وخمسون حديثا، وعدد وافر من الآيات، لكن افترق الناس بعد نازلة استشهاد عثمان إلى ثلاث: الاقتصاص من القتلة الفجرة، الاجتماع إلى الخليفة، التوقف حتى تنام الفتنة.
فلما مرقت الخوراج، اجتمع الناس لقتالهم وصدّ فسادهم، فارتفع عنهم إثم التفرق بسبب التزامهم سنة نبيهم؛ أدَّوا واجبَ قتالِ البغاة، فأدى الله عز وجل عنهم واجب الاجتماع، وهذا الأخير هو حقيقة الحكم الكوني.
والمقصود: أن فوات التزام حُكمٍ شرعي قد يُتدارك بالتزام حكم شرعي آخر وفق حكم كوني رحمةً بالأمة من ربها.
والقاعدة [2] السالفة لها قيود نوجزها في ثلاث:
-أن يكون فوات التزام الحكم الشرعي بتأويل سائغ، لا تعمّدًا ولا بتأويل بعيد كالجهل.
(1) وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع:"وكان ابن عمر حين خرج نجدة يرى قتاله"، قاله ابن عبد البر.
(2) والقاعدة بمسائلها وأدلتها وأمثلتها يُفرد لها بحث مستقل إن شاء الله.