الصفحة 74 من 115

في هذه الأخبار دلالات على مدى تنطع نافعٍ بن الأزرق، وكيف تنبأ به أبو الجلد أن يكون خارجيا لما رأى من تعمقه وتوغله، وكيف كان نافعٌ هذا قبيحَ المجلس بكثرة مسائله واعتراضاته، ولو كانت بالأدب المفروضِ لحسُنت له وحُمدت إليه، لكن لما تمادى إلى القِحة والطَّعن حُملت عليه إساءةً وكراهة، فانظر إلى قوله لحبر الأمة:"قف يا وقاف"! لَعُمري ما يقولها إلا من رأى منزلته علت منزلة شيخه، وانظر كيف استنكر على شيخه التغني بالشعر والترنم لسماعه، وما هذا إلا لفرط جهله بالمُلَح وأنها الحاملة على عُقَد العلم، وانظر إليه كيف يتعجب لحفظ ابن عباس وما هذا إلا لشدة ذهوله وغفلته، أليس جفاة الأعراب وأجلافهم أحفظَ الناس وأسرعهم بديهة ومع ذلك فهم أشد الناس كفرا ونفاقا، أعني أنه لا يُفضَّل المرء لحفظه مجردا، لكن إذا قارن الحفظَ العملُ والإخلاص.

هذا كله أبان عن مكانة ابن عباس السامقة، ورتبته الباسقة، ولله در الشاعر:

وإذا أراد الله بسط فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود

وكيف أن ابن عباس جبلُ علْمٍ، وكيف أنه أكثر الناس تواضعا وأهشهم لطالب العلم، وكيف أنه كريم النفس طيب الأصل، وكيف أنزل نفسه قدرها لرواية عمر ولعِلم علي، وكيف أنه الربّاني البصير المربي الحكيم يطلب الشعر ترويحا على النفس، وتقوية للعارضة، وزيادة في الحفظ، وتجويدا للسان، وتصويبا للعقل.

5/ 4/3/ العلم مُلح وعُقد:

لا زال العلماء يعقدون المجالس والأبواب للمُلح كابن شهاب الزهري، كان إذا أعطى الدرس في الحديث قال: هاتوا من ملحكم وأشعاركم، وعبد الله بن المبارك الذي قال: شغلنا أنفسنا بالباطل حتى تشتغل بالحق (وأراد بالباطل المباح) ، وابن عبد البر المالكي صاحب"التمهيد"و"الاستذكار"صنف"بهجة المجالس"في الأخبار والشعر، شبيه بجمهرة العرب لابن عبد ربه ...

وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود: (( كان النبي يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت