الصفحة 76 من 115

"اعلم أن النفس مجبولة على شيم مهملة، وأخلاق مرسلة، لا يستغنى بمحمودها عن التّأديب، ولا يكتفى بالمرضي منها عن التهذيب" [1] ، وأن"الله لم يخلق الخلق باجًا واحدا، ولا أوجدهم على صفة واحدة، بل قدّر ما قدّر من الصفات والحالات، ثم قسمها على الموجودات فجعل فيها الزيادة والنقص، والمحبوب والمكروه، والحسن والقبيح، بحسب ما رتبه في معاني الدين والدنيا، وأنزله منزلتين سفلى وعليا، وساق الخلق إلى ذلك قسرا، وأخبر عن كل ما خلق منهم بما جعل فيهم، وقال: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [2] ."

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول: (( إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض؛ فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأبيض والأحمر والأسود، والسهل والحزْن والخبيث والطيب ) )رواه أحمد والترمذي وأبو داود بإسناد صحيح.

والناس ألوان وطباع، وليس منها ما يُذم إلا إذا طغا؛"فما ابتلى [اللهُ] بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفا ومحلا ينفذها فيه:"

-فجعل لقوة الحسد فيه مصرفا وهو: المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه؛

-ولقوة الكبر مصرفا وهو: التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم، وقد قال النبي لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب: (( إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن ) )، وقد أمر الله سبحانه بالغلظة على أعدائه.

-وجعل لقوة الحرص مصرفا وهو: الحرص على ما ينفع كما قال النبي: (( احرص على ما ينفعك ) ).

-ولقوة الشهوة مصرفا وهو: التزوج بأربع والتسري بما شاء.

-ولقوة حب المال مصرفا وهو: إنفاقه في مرضاته تعالى والتزود منه لمعاده؛ فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم.

(1) علي بن محمد الماوردي: أدب الدين والدنيا (ص: 349) .

(2) أبو بكر بن العربي: عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي (13/ 95) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت