الصفحة 78 من 115

ويُشبَّه الشديد بالأرض السبخة الوعرة، لا تطيب ولا تلين ولا تهون لأي عمل يراد فيها، ولا لأي مصلحة تقصد منها.

ينشأ عن هذا الداءِ الجشعُ والطمع والشبق، والخصام واللَّدَد والفظاظة، والبِغض والهيام والحسد، والهلع والشح والحسرة، والحَسّ والتهور والمبالغة، والبَثّ والغيظ والحنق، والجلَد والصّبر وغيرُها من الصفات.

-وكل هذه الأوصاف متوافرة في الخوارج؛ أما الجشع والطمع والشبق والحسد فظهرت في ذي الخويصرة، تالله ما أنطقته إلا حظوظ النفس وذهاب الغنيمة عنها.

-أما الخصام واللدد والفظاظة فظهرت في الأزارقة خاصة ومن انشق عنهم كابن إباض وابن الأصفر ونجْدة، وعن هذه الصفات ينشأ صعوبة الخلُق وضيق الصدر وغِلظة الطبع والتعصب وكثرة الفرق والمذاهب.

-أما الحَسّ فهو كثرة القتل؛ فحدّث به ولا حرج.

-وكذلك الحنَق والغيظ والحسرة والبثّ ظهرت في بلاغة أشعارهم وكثرة مراثيهم وأحزانهم، وينشأ عنها التسخط والجزع والتشاؤم والغِلّ.

-وكذلك بِغض من عاداهم، والهيام فيمن والاهم، وحقيقة الهيام شدة الهوى؛ والطريقة الصحيحة ما رُوي من أقوال علي: (( أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما ) ) [1] ، وعن الهوى ينشأ الحماس المهلِك والغضب المطغي والتعصب المُردِي والانفعال المخذِي والكذب المؤذي.

-أما الهلع والشح فهما من الصفات المذمومة شرعا، كقوله: (( شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع ) ) [2] ، وفي حديث آخر عن أبي هريرة: (( ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا ) ) [3] ، وقال: (( ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ) ) [4] وكلها متحققة في متأخري الخوارج، وعنهما ينشأ الاضطراب والقلق.

(1) أخرجه الترمذي وغيره (4/ 360، رقم: 1997) ، وقال: غريب، وقد روي هذا الحديث عن علي عن النبي، والصحيح عن علي موقوف.

(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7/ 424، رقم: 10831) ، وأبو داود (3/ 12، رقم: 2511) ، وابن حبان (8/ 42، رقم: 3250) وغيرهم عن أبي هريرة.

(3) أخرجه النسائي (6/ 13، رقم: 3110) ، وأحمد (2/ 441، رقم: 9691) وغيرهما عن أبي هريرة.

(4) الحديث فيه ضعف، أخرجه البزار (8/ 295، رقم: 3366) وغيره عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت