فهرس الكتاب
-وينشأ عن الشدة أيضا شجاعةٌ وجرأة زائدتين هي أقرب للتهور والتقحّم، منهما تكون القِحَة والنَزَق والطيش والسبّ، والإقدام على المهالك، واستسهال الموت، والانتحار في مآزق الفتن.
-وكذلك الجلَد والصّبر؛ ليس صبرَ النفوس بل صبرُ الأبدان والحمير، وعنهما المبالغة في العبادة والاجتهاد في العِراك، ولقد صح عنه من حديث أبي هريرة: (( ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) ).
5/ 5/1/ 1/ علاج الشدّة المذمومة:
علاج هذا الداء تعظيم حب الله ورسوله في النفس، وتعظيم القرآن والسنة ومن عظَّمهما، وتعظيم أوامر الشرع ونواهيه [1] ، كقوله في حديثٍ عزيز: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من أهله ونفسه والناس أجمعين ) )؛ أي لا يكمل إيمان أحدكم، ولن يتأتَ هذا إلا بعد العلم والفهم والتدبّر، وهو ما ضيّعه الخوارج.
كذلك، يعالج هذا الداء بالتمدّن والتمتع بالطيبات من الرزق، كما ذكر المبرد (3/ 1189) :"وبلغ زيادا عن رجل يكْنى أبا الخير، من أهل البأس والنجدة أنه يرى رأي الخوارج، فدعاه فولاه جُنْدَيْ سَابور وما يليها، ورزقه أربعة آلاف درهم في كل شهر، وجعل عمالته في كل سنة مائة ألف، فكان أبو الخير يقول: ما رأيت شيئًا خيرًا من لزوم الطاعة والتقلب بين أظهر الجماعة! ...".
وأيضا، يعالج بالضرب في الأرض والسياحة في الأمصار؛ لأنه بها يُرى الشيء ونقيضه، والشيء وضده، والشيء وخلافه وهذا سبب في اتساع المدارك ورحابة الصدر وصحة التجارب، وسببٌ في نماء ملكة الفقه لأنه يقيس ما يرى على ما رأى، ويلحق هذا بذاك كقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} .
(1) ومن أراد التِّرياق فعليه بـ: الوابِل الصيِّب ورافع الكلِمِ الطَّيِّب لابن قَيِّمِ الجَوْزِيَّة (ص: 21 وما بعدها) ، وكذلك عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني: الأخلاق الإسلامية وأسسها (2/ 475 - 488) .