فهرس الكتاب
المؤمن شديدٌ في صلابة وقوة؛ شديد على الكفار والمنافقين، شديد على من اشتد، شديد إذا ما انتهكت حرمات الله، شديد في ساحات الوغى، شديد على نفسه هيِّن ليِّن رحيم بالخلق، وبالجملة: شديدٌ إذا أراد، لا تغلبه نفسه على ذلك بل يغالبها، وعزّ من كَمُل.
قدوته في ذلك نبيه وطبيبه: (( كان خلقه القرآن؛ يغضب لغضبه ويرضى لرضاه ) ) (مسلم عن عائشة) ، ولم يرَ الصحابة أشد من أبي بكر في الحق بعد رسول الله وموقفه في حروب الردّة شهير، وعمر في شدته على الباطل أشهر من نار على علم.
وروى ابن عبد البر [1] بإسناد حسن عن سفيان الثوري:"إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد".
5/ 5/1/ 4/ بعض من وصفوا بالشدة:
لا يصح أن ننفي عن المؤمن صفات النقص جملة، فما من واحد إلا ومبتلى بصفة أو خلق يجاهده فيوم غالبٌ وآخر مغلوب، وهذه عقيدة أهل السنة يتوسطون بها الشيعة الروافض الذين يقولون بالعصمة، والخوارج الذين يقولون بتكفير المذنب.
وممن وصف بالشدة من أهل الفضل ابن حزم الظاهري وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث وصف ابن القيم شيخه ابن تيمية رحمهما الله فقال:"كانت فيه حدّة يقهرها بالحلم"، وفيها منقبة لشيخ الإسلام في جهاده لنفسه وتمكنه منها. توجيه آخر: وهو أن مقارعةَ الخصوم الأشدّاء ومغالبتهم تكسب الشدة، كالماء الذي أطفأ النارَ الملتهبة تجدُه في سخونته كحُرقة ما أطفأ.
(1) وروي مثله عن مَعْمر، انظر: جامع بيان العلم وفضله (ص: 784) .