فهرس الكتاب
معنى [1] ، فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها، ولعمري لو لم تكن فيّ وأعوذ بالله لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي عز وجل، وأنا أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي فلن ينفعه اتباعه الناس في الباطل والفضول إذا أسخط ربه تعالى وغبن عقله أو آلم نفسه وجسده وتكلف مؤونة لا فائدة فيها ...". اهـ"
رحم الله ابن حزم قد كانت عيوبه منشؤها شيئان:
-التوهّم: وسببه إقباله أول أمره على الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي والعلوم التي لا عمل تحتها، فولّدت لديه العجب، وحب الذكر، وسوء الظن وما شابه، علاجها الإقبال على معاني القرآن، والتماس الحِكَم النبوية؛
-المغالبة: وسببه حزنه المفرط على جهله أولَ أمره [2] ، فولّدت لديه الغضب، والحقد المفرط، والأنفة الزائدة، وعلاجها طرح المناظرات والمراء والجدل.
5/ 5/1/ 7/ دقيقة:
إذن، لم يأمن ابن حزم غوائل الخروج إلا بالعلم والفهم فيه، وعليه يكون رأي ابن العربي وجيها في أتباع ابن حزم الذين نقص حظهم من العلم كثيرا؛ فساروا هملا دون موجه حكيم ولا شيخ عليم، فكثرت معاوِرهم وشنعت أخطاؤهم، وما زال الناس يبعدونهم عن حلق العلم لهوجهم وصلفهم، وما زالوا
(1) كلام عليه سمات الحق لكنه ممزوج بباطل؛ إذْ المخالفة لابد أن تراعي سنن الخلق وأعرافهم وعاداتهم وإلا كانت شهرة مذمومة، كيف وقد قال تعالى: {خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} .
(2) قال أبو بكر محمد بن طرخان التركي: قال لي الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد (يعني والد أبي بكر بن العربي) : أخبرني أبو محمد بن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة فدخل المسجد فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قم فصل تحية المسجد - وكان قد بلغ ستا وعشرين سنة - قال: فقمت وركعت، فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة دخلت المسجد فبادرت بالركوع، فقيل لي: اجلس اجلس ليس ذا وقت صلاة، وكان بعد العصر، قال: فانصرفت وقد حزنت، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلني على دار الفقيه أبي عبدالله بن دحون، قال: فقصدته وأعلمته بما جرى فدلني على موطأ مالك فبدأت به عليه، وتتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحوا من ثلاثة أعوام وبدأت بالمناظرة. انظر: شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء (18/ 199) .