فهرس الكتاب
ينفونهم عن مراتب المجتهدين ويقصونهم إلى طبقات العوام حتى ظهر فيهم مُحيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي الصوفي الشهير، فاجتمعت فيه بدعتا الظاهر والباطن [1] ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
5/ 5/2/ الورع:
أما الورع فهو: الكف والمنع والدفع (لغةً) ، وفي الدين قيل: هو الكف عن الحرام، وقيل: طرح المقدور مخافة الوقوع في المحظور، وقيل: اجتناب الشبهات خوف الوقوع في المحرمات وهو الصحيح.
وليس يصح حديثٌ في لفظ الورع، لكن أصله حديث الحلال والحرام [2] وحديث (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) )، وحديث (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) )، جعلها النووي من أصول فقه الدين في أربعينيته، وجعلها أرباب القلوب من أصول التخلية [3] وهو كذلك.
أصل الورع: الخشية، والخشية تكون من الأعيان لا من الأحوال لأن الثاني خوف؛ وعليه الورِع لا يخشى سوى الله عز وجل تهيُّبا وتعظيما، وهو الباعث له على كل قوله وفعله؛ أما الخوف من السلطان والعقاب والحدود والزواجر والقوانين فليست ورَعا، وكذلك الورَع يكون عن المقدور والممكن والحلال، لا عن البعيد والمستحيل والحرام لأن الثاني عجْز وضعف وافتيات، والورع غير الزهد كما يظن البعض؛ فالأول ترك ما يضر، أما الثاني فترك ما لا ينفع؛ وعليه يكون الورع قبل الزهد وأخصَّ منه.
ينشأ عن الورع السكينة والوقار، والشفقة والرفق، والسخاء والسماحة، والغبطة والرضى، والأرَب والعقل، والعفة واندفاع الشبهات وما إلى ذلك من حميد الخصال.
(1) بدعة الظاهر هي قوله بنفي القياس وجموده على ظاهر النصوص، وبدعة الباطن هي قوله بالاتحاد والحلول أعاذنا الله وإياكم.
(2) الحديث عن النعمان بن بشير ومتنه: (( إن الحلال بين وإن الحرام بين، وإن بين ذلك أمورا مشتبهات، وسأضرب لكم في ذلك مثلا إن الله حَمَى حمًى وإن حمى الله ما حرم، وإنه من يرعى حول الحمى يوشك أن يخالطه الريبة، وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر ) )اللفظ للطبراني، انظر: أبو داود (3/ 243، رقم: 3329) ، والنسائي (8/ 327، رقم: 5710) ، والبيهقي (5/ 334، رقم: 10598) ، وأحمد (4/ 270، رقم: 18398) ، والبخاري (1/ 28، رقم: 52) ، ومسلم (3/ 1219، رقم: 1599) ، والترمذي (3/ 511، رقم: 1205) وقال: حسن صحيح.
(3) ولقد عقد ابن القيم رحمه الله بابا لمنزلة الورع في كتابه البديع مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 20) .