الصفحة 87 من 115

كل هاته الأوصاف محمودة عقلا وشرعا، ولا تنبغي إلا للمؤمن المُجَلِّي السابق بالإفضال، المسابق بالخيرات.

5/ 5/3/ نماذج من الورع ومن الشدة:

اعلم أن طرق الاجتهاد في الشريعة على ضربين: التخفيف في التكليف، والاحتياط للعبادة، وكلاهما من مشكاة النبوّة مقتبِس؛ فالتخفيف لأن الشريعة جاءت لرفع الإصر والأغلال ودفع الحرج لا كاليهود حرّموا على أنفسهم ما أحل الله، وكالنصارى ابتدعوا رهبانية ما أنزل الله بها من سلطان، والاحتياط لأن للشريعة حدودا وحِمى لا يُتحرّز لها إلا بالحيطة لا كاليهود تحايلوا على حرمة السبت في شريعتهم فمُسخوا قِردة، وتحيّلوا على الشحوم المحرمة عليهم فجمّلوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها.

واعلم أن من رام التخفيف - دون ترخص جاف - كَمَن رام الاحتياط - دون تشدد غال - ورِعٌ ورِع؛ حيث اشتهر من المترخصّين من الصحابة رضوان الله عليهم عائشة وابن عباس، واشتهر من المحتاطين عمر وابنه عبد الله والكل ورع بإجماع، ومن الأئمة المتبوعين اشتهر بالترخص أبو حنيفة، وبالاحتياط مالك رحمهم الله جميعا، وفي الرجال والحديث اشتهر بالترخص ابن حبان والحاكم وبالاحتياط يحيى بن معين والبخاري جزاهم الله عن الأمة كل خير.

من أمثلة الورع: ما ذكر الشافعي في"الأم"في مسألة كيفية السجود في الصلاة أن من رأى وضع اليدين قبل الركبتين راعى جانب العبودية من جهة أنه أخضعُ للعبد وأذل، ومن رأى وضع الركبتين قبل اليدين راعى جانب العبودية أيضا من جهة أنه أرفقُ بالعبد وأطوع.

ومن الأمثلة أيضا: أصل ابن حزم الظاهري في الأخذ بالزائد مِن الأحكام احتياطا، كقوله في غسل الجمعة مما رواه الترمذي وحسّنه عن البراء بن عازب مرفوعا: (( إن حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمسّ أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب ) )جعلَه البعض مستحبا وجعله الآخرون واجبا؛ فعلى أصل ابن حزم يقال بالوجوب تورعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت