الصفحة 88 من 115

وعكسه مالك [1] رحمه الله، توقّف عند المجمع عليه وهو جواز الإقدام على الغسل يوم الجمعة لِما رواه مسلم وأبو داود عن عائشة قالت: (( كان الناس عمّال أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل: لو اغتسلتم ) )، ثم لما اختلفوا ما بين مستحب وواجب؛ فلا نقول بالوجوب لأن الزيادة في الحد نقص من المحدود، يعني الزيادة في الحكم استدراك على الشارع وتعريض بعدم كمال الدين، وهذا أيضا من باب الورع لمن تأمله.

بعبارة أخرى: أجمعنا على هذا الحكم واختلفنا في الزائد عليه، فنتوقف عند حدود الإجماع، وهذا أصل نفيس يُنتفع به كثيرا:

-كمسألة التوسّل في الدعاء: أجمعنا على جوازه بالله وبأسمائه وبصفاته وبأعمالنا، ثم اختلفنا في ذات رسول الله وفي جاهه وفي الأولياء الصالحين؛ فنتوقّف عند المجمع عليه.

-وكمسألة الاعتقاد: أجمعنا على سلامة اعتقاد السلف الصالح، ثم اختلفنا فيما طرأ بعدهم؛ فلنتوقّف حيث أجمعنا.

-وكمسألة التزهّد: أجمعنا على تسنّن الجنيد وأبي عبد الله التّستري ويحيى بن معاذ وأضرابهم، واختلفنا فيمن بعدهم؛ فلا نبرح طريقتهم السليمة وسلوكهم الرشيد إلى غيرهم.

-وكمسألة الحديث الضعيف: أجمعنا على العمل بالصحيح واختلفنا في الضعيف، إذن التوقف عند المجمع عليه.

-وكمسألة تقديم أحكام المتقدمين على المتأخرين في علل الحديث: أجمعنا على أحكام المتقدمين، واختلفنا في المتأخرين، إذن الحكم للمتقدم، وهلم جرا.

وهذا ينتفع به خصوصا في مسائل الاعتقاد وأصول العلم، وإلا حجرنا على المجتهد حق النظر في الفروع، دليله قوله: (( وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس ) )وفيه أن الكثير الذي لا يعلم يتوقف، أما القليل الذي له أهلية النظر فعليه بالاستعلام.

(1) جمهور الفقهاء على أن غسل الجمعة سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت