الصفحة 89 من 115

مثال آخر في الورع: في الترجيح بين المختلَف بالتحليل والتحريم، بعبارة أخرى: أيهما أخطر فيجب التورع عنه: تحليل الحرام أو تحريم الحلال؟ الراجح الثاني.

لأنه مما خصت به الأمة وضعُ الإصْر والأغلال ورفع الحرج كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، وكقوله أيضا حاكيا قولَ سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} ، وكقوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، وكقوله أيضا: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تُحَرّمُوا طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم} ، وكقوله أيضا: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} ، وكقوله أيضا: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ، وكقوله أيضا [1] : {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} .

مثاله ما رواه أبو داود أنه سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال: (( ما فوق الإزار ) )، وروى مسلم عن ثابت بن قيس أنه قال في هذه المسألة: (( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) )أي الوطء، ومقتضاه الإذن بالاستمتاع بما دون الإزار فيتعارض الحديثان.

فمن يرجح التحريم فهو محتاط متورع، ومن يرجح الحل فهو متورع أيضا، والثاني قول حفصة وعكرمة وقتادة والشعبي والثوري، وأصبغ من المالكية، وداود الظاهري.

مثال آخر: من الورع تكلّف الجمع بين الأدلة بدل الترجيح لأن الإعمال أولى من الإهمال؛ ففي المثال أعلاه يجمع بين الحديثين بأن الأول مبين ومخصص للثاني، فقوله: (( كل شيء ) )مجمل وعام، خصصه الحديث الأول بما (( فوق الإزار ) )وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة.

(1) الاستدلال بهذه الآية على أن الأصل في الأشياء الإباحة فيه نظر، إلا من باب تعاضد الأدلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت