الصفحة 90 من 115

وكذلك في مسألة إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام، هل هو أداء أم قضاء؟ وفيها روايات لحديث مشهور، أحدها بلفظ: (( فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا ) )، ورواية بلفظ: (( وما فاتكم فاقضوا ) )؛ فمِن آخذٍ بالرواية الأولى بمعنى الأداء، ومِن آخذٍ بالرواية الثانية بمعنى القضاء، ومَن جمع بين الروايات تورعا - وإن كان القول ضعيفا - جعلَ القضاء في الأقوال، والأداء في الأفعال.

وكذلك في مسألة كيفية الأذان، وصلاة الخوف، والوضوء وغيرها مما تعددت فيه الروايات، اشتهر عن الإمام أحمد بن حنبل العمل بكل الكيفيات المنقولة، وهذا من باب الجمع بين الأدلة، وإحياء السنّة، وبمثل أصل أحمد قال شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري، وطرد هذا في القراءات القرآنية فيحمل كل قراءة على معنى ويعمل بهم جميعا ما لم يتعارضوا، وهذا باب من أبواب الورع كبير.

واشتهر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الجمعُ بين الأدلة؛ كمسألة الغني الشاكر والفقير الصابر قال: أفضلهما أتقاهما لله، وكمسألة تفضيل الملائكة على صالحي بني آدم قال: الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحي بني آدم أفضل باعتبار النهاية، وكمسألة الاجتهاد والتقليد قال: كل مقلّد له أدنى الاجتهاد وهو اختيار من يقلد، وكل مجتهد له أدنى التقليد وهو الاتباع في بعض الأصول [كاللغة وعلم الرجال] ، وكمسألة كلام الله: جمع بين القول بأنه كلام نفسي وكلام لفظي فقال: قديم النوع، محدث الآحاد.

مثال آخر: ومن الورع عدم التقدم بين يدي حديث رسول الله برأيٍ إلا من قبيل:

-تفسير غريبه، كما ثبت عن عبد الله بن المبارك قوله:"ليكن الأمر الذي تعتمدون عليه هذا الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث" [1] ؛

-حل إشكاله من تفسيرٍ للمبهم، وتبيين للمجمل، وتعيين للمحتمل وما إلى ذلك؛

-تأويل مختلَفه مما يوهم التعارض وليس بذاك، كالكلام في الناسخ والراجح والضعيف وما شابه؛

-الاستنباط منه، والبناء عليه، والتخريج وِفْقَه جريًا في كل ذلك على الأصول المتعارفة عند أهل الفن.

(1) ابن عبد البر: مرجع سبق ذكره (ص: 782) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت