فهرس الكتاب
ولا يطرح السنّة إلى الرأي إلا المخنّثون من الرجال؛ ذكر أبو جعفر الطبري في"التاريخ الكبير"أنه بلغه عن المبارك الطبري أنه سمع أبا عبيد الله الوزير يقول: سمعت أبا جعفر المنصور يقول للزهري:"يا أبا عبد الله لا تجلس وقتا إلا ومعك من أهل العلم من يحدّثك؛ فإن محمد بن شهاب الزهري قال: الحديث ذكر ولا يحبه إلا ذكور الرجال، وصدق أخو زهرة".
مثال آخر: ومن الورع الأخذ بالقول المشهور والمعتمد والموثوق، والأخذ من الأصول والأمهات، وطرح الشاذ والمحتمل والغريب من الروايات والأقوال والكتب، قال ابن عبد البر المالكي (جامع بيان العلم وفضله، ص: 785) :"أخبرني أبو القاسم خلف بن القاسم، حدثنا الحسن بن رشيق قال: حدثنا ذو النون بن أحمد بن إبراهيم بن صالح قال: حدثنا عبد الباري بن إسحاق بن أخي ذي النون بن إبراهيم عن عمه أبي الفيض ذي النون بن إبراهيم إنه سمعه يقول: من أعلام البصر بالدين معرفة الأصول لتسلم من البدع والخطأ، والأخذ بالأوثق من الفروع احتياطا لِتامن".
وكان سحنون يقول: ما اعتكف رجل على المدوّنة [1] ودراستها إلا عرف ذلك في ورعه وزهده، وما عدّاها أحد إلى غيرها إلا عرف ذلك فيه، وكان يقول: إنما المدونة من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن؛ تُجزئ في الصلاة عن غيرها، ولا يجزئ غيرها عنها.
5/ 5/3/ 1/ مثال على الفقه المالكي:
يراد بالقول المشهور والراجح عند المالكية قولَ المدوَّنة التي حوت ستٍّ وثلاثين ألف مسألة، وجمهور المالكية على أنه إذا اختلفت الأقوال يقدّم قول مالك لأنه إمام المذهب، ثم قول ابن القاسم المذكور في المدونة خاصة، ثم يقدم قول غيره المذكور في المدونة [2] ، وإذا كان لمالك قولان عمل بالمتأخر منهما إن علم ذلك المجتهد المرجِّح؛ فإن لم يكن من أهل الترجيح قدم قول الأعلم الورِع على الأورع العالم، وإن لم يعلم توقف؛ وإذا اختلف الفقهاء المصريون والمدنيون قدم المصريون كابن وهب وابن
(1) مدونة الفقه المالكي هي: سؤالات عبد السلام بن سعيد بن سحنون لعبد الرحمن بن القاسم عن فقه شيخه مالك بن أنس؛ فتضمّنت فقه مالك وابن القاسم وابن سحنون وأسد بن الفرات بن سنان رحمهم الله.
(2) انظر: تبصرة الحكّام بهامش فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (1/ 62) .