الصفحة 94 من 115

ومن الورع الوقوف على ظاهر النصوص والأقوال دون كثرة تحوير وتأويل، قال يحيى بن معاذ:"الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل" [1] .

ومن الورع ترك تعليلِ الجرح في خيار الناس ولو لم يكن أهلا للرواية والتدريس؛ إما لإجماع الناس على فضلهم، أو لظهور صلاحهم، وهذا الصنف يكثر في الوعّاظ والزهّاد؛ روي عن مالك أنه قال:"من الناس ناسٌ لا يتكلم فيهم الناس"، وقال:"لا يؤخذ العلم عن أربعة: [ ... ] ورجل ذو فضل وصلاح لا يعرف ما يحدث به"، وقال:"من الناس من أطلب منهم الدعاء لي، ولا آخذ عنهم الحديث".

ولو تقصينا للورع التمثيل لأتينا على كل أبواب العلم؛ لأن قوام الدين شيئين اثنين: اليقين والورع، كقوله: (( ألا إني أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية ) ).

5/ 5/3/ 3/ ورعٌ مفضٍ إلى مخالفة السنة:

ولا يخفى أن سالك بعض طرق الورع قد يجانب القول الصحيح، قال ابن القيم [2] :"قال شيخنا: والاحتياط حسن، ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط". اهـ

من الورع المفضي إلى مخالفة السنة: قول الشوكاني [3] رحمه الله في مسألة صلاة تحية المسجد في أوقات الكراهة، قال يجتنب دخول المسجد كليا حتى يتورع عن الصلاة في وقت الكراهة ويتورع عن الدخول للمسجد دون تحية، ولا شك أن هذا القول ضعيف، وكصيام يوم الشك احتياطا لرمضان وهو قول باطل بحديث رسول الله، قال ابن العربي: العبادة يحتاط لها بعد أن تجب أما الاحتياط قبل الوجوب فهو بدعة مكروهة. اهـ ومثلها ترك صيام يوم الستة كليا احتياطا من اعتقاد الجهال أنها من رمضان.

(1) ابن القيم: مدارج السالكين (2/ 22) .

(2) ابن قيم الجوزية: إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان (1/ 163) .

(3) قال الشوكاني رحمه الله:"وبهذا التقرير يعلم أن فعل تحية المسجد في الأوقات المكروهة وتركها لا يخلو عند القائل بوجوبها من إشكال، والمقام عندي من المضايق، والأولى للتوَّرع ترك دخول المسجد في أوقات الكراهة" (نيل الأوطار: 3/ 69) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت