الصفحة 95 من 115

5/ 5/3/ 4/ ورع مفض إلى التشدد:

وهذا هو المقصود من هذا المطلب وفروعه؛ التفريق بين الورع والشدة لأنه قد يُلتبس لتشابه صوَرهما، إذ الورع إذا زاد عن حده استحال تشددا مرذولا.

فمن غلو الناس في الورع الموقع في الشدة والمنكرات: ما ذكر ابن القيم في الوابل الصيب (ص: 31) :"كمن يتوسوس في الوضوء مغاليا فيه حتى يفوت الوقت، أو يردد تكبيرة الإحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة، أو يتشدد في الورع الغالي حتى لا يأكل شيئا من طعام عامة المسلمين خشية دخول الشبهات عليه."

ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العباد الذين نقص حظهم من العلم، حتى امتنع أن يأكل شيئا من بلاد المسلمين، وكان يتقوّت بما يحمل إليه من بلاد النصارى، ويبعث بالقصد لتحصيل ذلك؛ فأوقعه الجهل المفرط والغلو الزائد في إساءة الظن بالمسلمين، وحسن الظن بالنصارى"اهـ"

ولقد داخل هذا الورع الكاذب والفاسد الخوارج كثيرا، كيف لا وقد تنافت أفعالهم مع أول منازل الورع بالخوض في متشابه الآيات.

5/ 5/4/ قاعدة في التفريق بين الشدة والورع:

ملاك الأمر أن الدافعَ لخلق الشدّةِ الحرصُ، وأصله الطبعُ وثمرته الشقاء، عكس الوَرَعِ الذي ينشأ عن خشية الله عز وجل، وأصله الفطرة ويثمر الفلاح.

وهناك قاعدة دقيقة، مأخذها سهل، وعِيارها يسير، يستطيعها حتى العوام وهي: أن الشدة تنشئ احتياطا كبيرا في عبادة وتساهلا يقابله في عبادة أخرى، وليس هذا شأنُ الورِع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت