الصفحة 96 من 115

مثاله ما ذكر المبرد (3/ 1134 - 1135) : ومن"طريف أخبارهم أنهم أصابوا مسلمًا ونصرانيًا، فقتلوا المسلم وأوصلوا بالنصراني، فقالوا: احفظوا ذمة نبيكم"!

وقال:"وساموا رجلًا نصرانيًا بنخلة له، فقال: هي لكم، فقالوا: ما كنا لنأخذها إلا بثمن، قال: ما أعجب هذا! أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منا نخلة إلا بثمن".

وقريب منه ما قال ابن باديس (الآثار 3/ 243) :"إن الجزائري متشبع بهذه الروح الوثابة أمام شعائره الدينية عموما، ربما بلغت به هذه الروح إلى حد التطرف، لكن ربما حلت روح التساهل محل روح ذلك التطرف في غير فريضة الصيام، أما فيها فلا هوادة ولا مساومة، ولا تأويل ولا تحوير، ولا منزلة بين الكفر والإيمان، ولا يقتنع الجزائري بدون هذا التصلب ...".

فإن قيل: إذن من اشتد في أمره كلِّه لم يُذمّ؟

فالجواب: نعم؛ لكن بِقَيْدِ العلم، فمن اشتد من أهل العلم لم يذم إلا إذا غلا أو تكلّف، أما الجاهل الشديد فيذمّ لأنه لا دافع له إلا الطبع المجرّد، وقد ذُكر أعلاه بأن الجهل ليس هو المطلق، بل النسبي باعتبار الواقعة.

مثاله: عِمران بن حُصين وعروة بن أُديَّة الخارجيان، ارتاضا بالعبادة إلى حد الصلاح، وكانا عالمان بلغات العرب وأشعارها وأخبارها، وبلغا من الصواب والحكمة الطَّبق المعلَّى، لكنهما عَدِما العلم بالسنّة وخاضا في الفقه فضَلَّا عن سواءِ السبيل، ومثلهم كثير من الخوارج.

ولم يذم أحدٌ يوما عمرَ على شدته لأنه عالم بما يأتي وبما يذر، ولم يُذَم شُعبةُ بن الحجّاج في تشدده في الرواية لأنه عالم بِفنّه، ولم تُذم عبادة المتزهِّدة العلماء لأنهم عارفون بمحالِّ الاجتهاد فيها وبأزمنتها وحالاتها وشرائطها.

وقد فرّق بين أبي بكر وعمر حين تصدّقا بكل مالِهما؛ قبلها من الصدِّيق ورفضها من المحدَّث

لتخالف حاليهما؛ فالأول مسترسل مع التسليم، والثاني متكلّف لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت