فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 10

كتاب من كتب أئمة الإسلام، بينما كان الأوائل يصفون أنفسهم بالإفلاس كالزُهْرِي رحمه الله يصفه أهل الحديث بالإفلاس، يقول: لا ترى صاحب حديث إلا وهو مفلس وذلك من جرّاء شراء الكتب والعمل أيضًا، يكونون من الكرماء ومن الأسخياء ومن الذين لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، ذهب هذا الشاب الصغير هشام بن عمّار صغير في سنه كبير في همته يطلب العلم وكان العلم آنذاك يُطلب على الإمام مالك في المدينة وهو الذي جاء فيه الخبر في أصح قولي العلماء، روى أحمد والترمذي في جامعه من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير المكي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة} رجَّح الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقف هذا الخبر على أبي هريرة وله حكم المرفوع كما قال الحافظ العراقي في ألفيته:

وما أتى عن صاحبٍ بحيث لا ... يُقال رأيًا حكمه الرفع على

ما قال في المحصول نحو من أتى ... فالحاكم الرفعَ لهذا أثبتا

وقال: أبو عيسى عَقِبَهُ وهذا حديث حسن صحيح، قال: سفيان وجماعة يراد به الإمام مالك، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام بن تيمية، فذهب هشام يطلب العلم على يديه فجلس وسط الدرس وكان شابًا صغيرًا لا يعرف آداب الطلب، فقال: يا أبا عبد الله حدِّثني، قال له مالك: ويحك اقرأ فإذا غلطت رددنا عليك.

هذه طريقة جماعة من العلماء، وهذه أيضا طريقة جماعة من العلماء الذين أخذنا العلم على أيديهم، كان الطالب يقرأ وإذا غلط رد عليه، ويُعَلِّق على ما يتيسر من قراءته، وكانت طريقة آخرين أن الطلبة يحفظون ويشرح شرحًا واحدًا للجميع وفي كلٍ خير، فالمقصود أن المُعَلِّم كما أحسن التحصيل في بداية طلبهِ يُحْسِن التوصيل للآخرين، فأعاد هشام على مالك فأعاد عليه مالك فأعاد هشام، فقال مالك: قم يا غُلام فاضربه خمسة عشر سوطًا أراد مالك بذلك أن يؤدبه، لأن العالم بمنزلة الوالد لأولاده، يؤدبهم بما يراه نافعًا لهم، فهو حين يُصَعِّرُ خَدَّه عنهم، أو حين يزجرهم، أو حين يتشاغل عنهم، لا يريد من وراء ذلك كبت مواهبهم، إنما يَهْدِف من وَرَاءِ ذلك أن يكون لهم أدب في بداية الطلب، فبكى هشام بن عمّار ولم يتعجب مالك أنه لم يهرب، بل تعجب أيضا حتى من البكاء، لأن الأصل من الطالب أنه لا يبتعد، خلاف طلبة العلم في هذا العصر يحضر درسًا أو درسين وحين يتشاغل عنه المعلم أو يسأله ويعتذر عن إجابته ربما ينفر عن الدرس ولا يُسْتَبْعَد أن يسبه عند باب المسجد، ولذلك كان الأوائل يتعلمون الآداب قبل العلم، ويتعلمون الأخلاق قبل العلم، ويتعلمون الأخلاق قبل العلم، ويتعلمون العمل الذي هو حصانة وثبات للعلم، قال مالك: طالب حديث ويبكي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت