مالك مهيب رحمه الله تعالى:
يَدَعُ الجَوَابَ فَلا يُرَاجَعُ هَيْبَةً ... وَالسَائِلُونَ نَواكِسُ الأذْقَانِ
أَدَبُ الوَقَارِ وَعِزُّ سُلْطَانِ التُّقَى ... فَهُوَ المُطَاعُ وَلَيْسَ ذَا سُلْطَانِ
قال هشام ما أبكي على الضرب، إذًا لماذا يبكي؟ يبكي لأن والده باع بيته وأعطاه المال ينتظر منه أن يكون عالمًا، كما صنع علي بن عاصم الواسطي يقول: أعطاني والدي مائة ألف درهم وقال: لا أرى وجهك حتى تحفظ مائة ألف حديث، فطاف البلاد شرقًا وغربًا، وحصَّل خيرًا كثيرًا، وكان له درس يحضره ما لا يقل عن ثلاثين ألفًا، ذكر ذلك الحافظ الذهبي في تذكرة الحُفَّاظ، فَرَقَّ له الإمام مالك رقَّ لكلامه وتَعَجَّب من كِبَرِ همته فقال له الإمام مالك: أبحني - أي حللني - على هذا، لأنه لم يعلم عذره ظن أنه من الناس الذي يأتي وينشغل عن العلم فكان جوابه قال: لا أحللك - يريد من وراء ذلك أن يستفيد منه - فهو وإن كان في العاشرة من عُمِرِهِ إلَّا أنّه في الأربعين من عقله ليس كأبناء عصرنا، أبناء عشرين وأبناء ثلاثين وأبناء أربعين، الذي لا يطارد جلدًا منفوخًا في الملاعب الرياضية يشاهد الفسقة والمنحرفين عبر الشاشات، كأنَّ هؤلاء فتحوا فلسطين، وحرروا أرض المقدس من الصهاينة، أو أنهم طردوا الصليبيين من أرض العراق، أو أنهم طردوا الروس من أرض الشيشان، أو أنهم فتحوا بلاد المسلمين المغتَصَبَة وأذلُّوا الشرك والمشركين، وجعلوهم يدفعون الجزية عن يدٍ وهم صاغرين، فهم يتغنون هؤلاء الآن بالفسقة والمنحرفين والمجرمين وأعداء الدين، وهذه من الخطط الماسونية لإشغال الشباب عن مهمتهم الحقيقية، ابن عمر رضي الله عنه وهو في الرابعة عشر من عمره يتطاول للجهاد في غزوة أُحد، يتطاول للجهاد لعله يكون أحد الذين يتشرفون بالذبِّ عن هذا الدين بألسنتهم ورماحهم وسيوفهم، والمتأمل للتاريخ من أول ما دُوَّن التاريخ إلى عصرنا حين يُتَرْجَمْ لعالِم - هذا باختلاف وجهة النظر - الآن التَرَاجُم أصبحت نظرية التراجُم الأوائل لا يُوصف شخص من الصحابة ولا من التابعين، إلا أنه غزا وفعل وفعل أكثر مما يُوصف بالعِلْم، يعني لا يمكن وأنفي أن يوجد ترجُمة لصحابي إلا ويقال في ترجُمته غزا أو تخلف عن عزوة كذا وإذا تخلف يذكرون عذره، يرون أن الدين لا يقوم إلا بمثل هذا، والآن أصبح الجهاد وصمة عار في جبين المسلمين، أصبح المجاهد إن لم يكن خارجيًا تكفيريًا فهو إرهابي مطرود يُقذف بكل قبيح، ولا عجب أن يوجد هذا في الحقيقة من المجرمين المنحلين الذين لا يعرفون الله ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لكن هذا يوجد وبكل أسف حتى من بعض المنتسبين للعلم يتجاوبون للصحف ومع الإعلام وعلى كلٍ نرجع إلى عقل وهمة هشام فقال مالك: أبحني، قال: لا أحللك قال بماذا تحللني؟ قال: بأن تحدِّثني عن كل سوط ضربتني حديثًا، فلم يكن من مالك بُد إلا أن يحدِّثه، فحدَّثه خمسة عشر حديثًا، فلما فرغ قال: يا أبا عبد الله اضربني ثانية وحدثني.