وذكر الثالث - أي من الذين تكلموا في المهد - حين كانت امرأة ومعها صبي، فمرت عند رجل فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، وكان يمص ثديها، فأطلق ثديها وقال اللهم لا تجعلني مثل هذا، فمرت من عند امرأة تعذب، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فأطلق ثديها وقال اللهم اجعلني مثل هذه، الأول رجل جبار، والثانية امرأة يقال: سرقتِ ولم تسرق يقال زنيتِ ولم تزنِ،
فهذا الحديث كثير الفوائد، عظيم المعاني، وهو يشتمل على أكثر من مئة فائدة، وقد كان الأئمة في القديم يُولُون الأحاديث عناية خاصة، ويستنبطون المعاني من ذلك، ولا يكتفون بالشرح المجمل ولا بفقه بعض ألفاظ الحديث وقد استنبط غير واحد من العلماء ثمانين فائدة من قول النبي صلى الله عليه وسلم (يا عمير ما فعل النغير) لأن الحديث اختصره النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يذكر اللفظة الواحدة فتشتمل على آلاف ومئات المعاني، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله، والناس يتفاوتون في الفهم كتفاوتهم في الحفظ، وتفاوتهم في الحفظ أعظم من تفاوتهم في الخلق والشكل، فطائفة من البشر لا تستطيع أن تستنبط من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى فائدة أو فائدتين، وطائفة أخرى يستنبطون أكثر من ذلك، وطائفة ثالثة يستنبطون ثلاثين، وطائفة رابعة يستنبطون أربعين، وطائفة خامسة يستنبطون ستين .. سبعين .. ثمانين، على حسب قدرتهم، وعلى حسب فهمهم، وعلى حسب تطلعهم في هذا العلم يستطيعون