التَّصوف حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة، كرد فعل مضاد للانغماس في الترف الحضاري. ثمَّ تطوَّرت تلك النزعات بعد ذلك، حتى صارت طرق مُميَّزة معروفة باسم الصوفية، ويتوخى المتصوفة تربية النفس والسمو بها، بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف والمشاهدة، لا عن طريق إتباع الوسائل الشرعية، ولذا جنحوا في المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية:الهندية والفارسية واليونانية المختلفة. ويلاحظ أنَّ هناك فروقًا جوهرية بين مفهومي الزهد والتَّصوف أهمها:إنَّ الزهد مأمور به، والتَّصوف جنوح عن طريق الحق الذي اختطه أهل السنة والجماعة. (1)
المبحث الأول: الصوفية لغة واصطلاحًا
اختلفت كلمة العلماء حول التعريف الحقيقي للصوفية وللتصوف اختلافًا كثيرًا قلَّما يوجد له مثيل، وقد ذكر بعض العلماء أنَّ تلك التعريفات قد تصل إلي الألفين، يقول محمد طاهر الحامدي:"الأقوال المأثورة في التَّصوف قيل:إنها زهاء ألفين"، وقد نقل إحسان إلهي في كتابة"التَّصوف:المنشأ والمصدر"أقوالًا كثيرة عن أقطاب التَّصوف في تعريفهم ومفهومهم للتصوف، ولكن مهما قيل عن كثرتها واختلاف الناس فيها فإنّها كلَّها لا طائل من ورائها عند التمعن في دراستها، مما يستدعي غض النظر عن تلك التعريفات كلِّها، وإلقاء الضوء على الأقرب منها، وفيما يلي بيان ذلك.
التَّصوف لغة:
يطلق علماء اللغة كلمة صوف في معاجم اللغة تحت مادة صوف على عدة معان، منها إطلاق كلمة صوف على الصوف المعروف من شعر الحيوانات، ومنها صوفان وصوفانة، وتطلق على بقلة زغباء قصيرة. وقد أطلقت كلمة صوف في بعض دلالتها بمعنى الميل، فيقال صاف السهم عن الهدف بمعنى مال عنه، وصاف عن الشر أي عدل عنه.
التَّصوف اصطلاحا:
(1) - الصوفية نشأتها وتطورها تأليف محمد العبْده- طارق عبد الحليم، الطبعة الرابعة، 1422 هـ- 2001م