فهرس الكتاب
الكشف لا يمكنه البرهنة والاستدلال عليه حسا وعقلا, ولا يمكن انتقاله إلى الآخرين, وهو وقف على صاحبه السالك فحسب, لأنه وحده يعيش حالة الكشف..ومن أراد أن يحقق طريق الكشف فما عليه إلا أن يسلك الطريق الصوفي الذي يؤهله لذلك. فالكشف حال تعلم بالمنازلات والمجاهدات والمواجيد, فلا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال, وحل تلك المقامات. والوصول إلى حالة الكشف لا يكون بتحصيل العلم, ولا بقراءة القرآن وكتب التفسير والحديث, ولكن بسلوك طريق خاص, بينها أئمة الصوفية في كثير من مصنفاتهم.
وطريقة تحصيل الكشف تكون: بتقديم المجاهدة, ومحو الصفات المذمومة, وقطع علائق الدنيا كلها, وتفريغ القلب من شواغلها, والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى, ولابد للسالك من الخلوة, والخلوة لا تكون إلا في بيت مظلم, فإن لم يكن له مكان مظلم, يلف رأسه بجيبه, أو يتدثر بكساء أو إزاره, ويداوم على ذكر الله تعالى مع مراعاة الأدب والمراقبة والحضور, مع توحد العزيمة ودوام الجمعية, والمواظبة على هذه الحال, دون فتور, ولا تقسيم خاطر, ولا تشتت عزيمة, ويجب على السالك أن يقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن, وعن العلم والولاية والجاه, مع اقتصاره على الفرائض والرواتب, ولا يشغل نفسه بقراءة قرآن, ولا بالنظر في كتب التفسير والحديث ونحو ذلك من كنب العلم, فإذا واظب على هذا الحال تولى الله تعالى أمر القلب, وإذا تولاه فاضت عليه الرحمة, وأشرق النور فيه, وانشرح الصد وانكشف له سر الملكوت, وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة, وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية. وبالكشف يحقق الصوفية رؤية الله تعالى بالأبصار بعد طوال العناء. وشدة الرياضة والمجاهدات. وقد تحدث ابن عربي في الفتوحات المكية عن مشاهداته لله تعالى وتكليمه له.