الصفحة 101 من 228

الفرق بين منهجين: وأجدنى هنا مضطرا إلى تبيان الفارق بين منطقين. * منطق عالم الغيب. * ومنطق عالم الشهادة. فإذا كان التسليم شيمة الصالحين بالنسبة إلى العالم الأول، فإن الأمر على العكس بالنسبة إلى عالم الشهادة. نحن في عالم الغيب نتقبل خبر المعصوم، ويكفى في قبوله أن العقل لا يحكم برفضه. أما في عالم الشهادة للعقل امتداده في النقد، والأخذ والرد.. وليست أمام العقل سدود ولا قيود. وقد لوحظ أن جماعات من المؤمنين تخلط بين هذا وذاك. وربما وجدت بعض من يوصفون بالتقوى كليل العقل و جبان الفكر، لا يستبين الأمور بحذق ولا يصرفها بذكاء. والواقع أن غباء هؤلاء أساس للدين جملة وتفصيلا.. وللمعرى في ذلك أبيات لاذعة: ومالى لا أكون وصى نفسى ولا تمضى أمورى الأوصياء وقد فتشت عن أصحاب دين لهم نسك وليس لهم رياء فألفيت البهائم لا عقول تقيم لها الدليل ولا ضياء وإخوان الفطانة في اختيال كأنهم لقوم أنبياء فأما هؤلاء فأهل مكر وأما الأولون فأغبياء فإن كان التقى بلها وعيا فأعيار المذلة أتقياء والتنويه بالعقل على ألسنة هؤلاء المفكرين، ليس غمزا للدين، وإنما هو تعريض بمسالك بعض المتدينين. وهى مسالك جديرة باللوم، خصوصا إذا كان الدين في حياتها لا يعدو أشكال العبادات، ولا يسيطر على نوازع الشر. والواقع أنه مما يغيظ أولى الألباب، ويغضب رب الأرباب أن يكون الدين عند كثير من الناس مراسم وشعارات، ولا يكون فضائل ونظاما، وأن يمس ظواهر الأشياء ولا يتغلل في صميمها . ص _106

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت