الصفحة 102 من 228

وعلى هذا يفهم قول المعرى: والعقل يبحث والشرائع كلها خبرا يقلد، لم يقسه قائس متمجسون، ومسلمون، ومعشر متنصرون وهائدون رسائس وبيوت نيران تزار تعبدا ومساجد معمورة وكنائس والصابئون يعظمون كواكبا وطبائع كل في الشرور حبائس وقد شاء بعض الناس أن يذكر هذه الأبيات للاستدلال على كفر المعرى بالدين كله على اختلاف ملله ونحله. ولكنا قارنا هذه الأبيات بما ثبت يقينا أنه من شعر المعرى فوجدنا الأمر على غير ما يتصورون، وحكمنا بأن الرجل يهجو المتدينين السطحيين الذين تكسو التقوى ظواهرهم وحدها، أما طباعهم فهى في الشر حبائس!! ويشهد لرأينا قوله- ولعله من القصيدة السابقة نفسها: تشاد المغانى والقبور دوارس ولا يمنع المقدار باب وحارس ومهما يكن فالله ليس بزائل ويجنى الفتى من بعد ما هو غارس ثم هناك قصيدته الدالية الرائعة، التى سبك فيها عواطفه ذهبا خالصا، وهو يرثى أحد فقهاء المذهب الحنفى: غير مجد في ملتى واعتقادى نوح باك ولا ترنم شاد وفيها يقول: خلق الناس للبقاء فضلت أمة يحسبونهم للنفاد إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة أو رشاد وهذا كلام صريح في الإيمان بالجزاء. فإذا قال في القصيدة نفسها: ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش مثل السهاد فليس يصح الزعم بأن الرجل يرى الموت عدما محضا.. إنه يراه راحة، وهو للمؤمن راحة بلا شك، ولكنه ليس راحة عدم الإحساس، بل راحة الإحساس بالدعة والرضا والسكينة في جوار أرحم الراحمين. ص _107

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت