فهرس الكتاب
إنما امتاز المعتزلة بأنهم استخدموا العقل حيث لا يفيد استخدامه، فكانوا كمن يحاول إحداث فجوة في موج البحر بمثقاب. إنك مهما فتلت المثقاب وعمقت الحفر فلن تفعل شيئا. كذلك البحث العقلى فيما وراء المادة ومحاولة التعرف على حقائق الذات الإلهية. وليت المعتزلة لم يدوخوا الفكر الإسلامى في هذه المتاهات. الإسلام يجعل مهاد تعاليمه وسياجها في حدود ما أسهبنا بيانه. ومن ثم نعرف حقيقة ما يقوله"جولد تسيهر" (ص 152) :"وكان بعد ذلك أن صبغ اتصال المعتزلة بعلم الكلام أفكارهم بطابع عقلى، ودفعهم هذا شيئا فشيئا إلى أن تظهر منهم ميول عقلية انتهت بهم اخيرا إلى معارضة واضحة للمذهب السنى المعروف. وسيكون من الواجب علينا في حكمنا الأخير على المعتزلة أن نثقل عليهم بكثير من السمات البغيضة، ومع هذا فقد بقى بهم فضل غير منقوص، لقد كانوا الأوائل الذين وسعوا معين المعرفة الدينية، بان ادخلوا فيها عنصرا آخر وهو العقل الذى كان- حتى ذلك الحين- مبعدا بشدة عن هذه الناحية! وقد ذهب بعض رجالاتهم وممثليهم الأكثر شهرة إلى القول بأن"الشرط الأول للمعرفة هو الشك"وأن"خمسين شكا خير من يقين واحد"هو اليقين الباطل بداهة - هكذا. ومن الممكن أن ننسب إليهم هذه الفكرة التى ترى- حسب مذهبهم- أنه توجد حاسة سادسة غير الحواس الخمس، وهى المعروفة بالعقل. إنهم رفعوا العقل إلى مرتبة القياس والد ليل في أمر العقيدة والإيمان وأن واحدا من قدامى ممثليهم، وهو بشر بن المعتمر من بغداد مدح العقل مدحا كبيرا في قصيدة تعليمية في التاريخ الطبعى، حفظها الجاحظ (فى بعض مؤلفاته) وفسرها إذ يقول: لله در العقل من رائد وصاحب في العسر واليسر وحاكم يقضى على غائب قضية الشاهد للأمر وأن شيئا بعض أفعاله أن يفصل الخير من الشر لذو قوى قد خصه ربه بخالص التقديس والطهر ص _110"