الصفحة 107 من 228

فهو يدرك ما في العلم والعدل من حسن، ويدرك ما في الجهل والجور من قبح. لكن ما أكثر وجوه الخلاف بين العقلاء، وأوسع الشقة بين وجهات النظر في شتى الأمور. إن في عصرنا هذا فلسفات ونظما شرقية وغربية لا يسد الفجوة بينها إلا الدم. وكلا الفريقين لم يتهم الآخر بأنه فر من مستشفى المجانين!! ولسنا بصدد انتقاص العقل وقدرته.. بيد أننا نقول جازمين: إن العقل لا يغنى عن شريعة الله. وإن لله من عباده مطالب لا تعرف إلا عن طريق النبوة. وإن تفاصيل المعتقدات والعبادات لا وظيفة للعقل فيها إلا الفقه والتلقى.. ويبقى أن نسأل"جولد تسيهر"وهو رجل يهودى يشتغل لحساب التبشير النصرانى، ويأخذ أجره من وزارات الاستعمار، أو من هيئات الدعاية المسيحية: هل هو يرى أن العقل يغنى عن الشرع، كما يزعم المعتزلة ذلك زعما جزئيا؟ إن صح لديه ذلك فلا مكان للنبوات كلها، وسقطت الديانات جملة، وارتفعت الثقة بكتب السماء أولا وآخرا!! إننا لا ندافع عن علماء الكلام... بيد أن عرض مجادلاتهم بأسلوب فيه غمز للفكر الإسلامى لا معنى له، خصوصا إذا تعلق البحث بمسألة تخص الأديان كلها. قانون السببية وموقف المسلمين منه: ولجمهور المسلمين موقف من قوانين الأسباب والمسببات يحتاج إلى شرح، خصوصا بعد ما تعرض"جولد تسيهر"لموقف العلماء الأشاعرة منه، ولخص مذهبهم تلخيصا فيه غمط وإحراج. إن أهل السنة لم يفكوا الرباط العتيد بين الأسباب ومسبباتها، ولم يتجاهلوا هذا التلازم المطرد بين العلة والمعلول. لقد قالوا: إن الماء يروى، وإن الأرض تنبت، وإن النار تحرق وإن الشخوص تظل.. إلخ، وأن العادة جرت بذلك وسجلت الملاحظات مجراها دون تخلف غالبا. والشىء الذى حرص أهل السنة على إثباته وإبرازه هو المشيئة العليا، فقالوا: إن النار تحرق بمشيئة الله. ص _112

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت