الصفحة 108 من 228

فهم لم يماروا في أن طبع النار الإحراق، أو أن أثرها الإحراق ولكنهم جعلوا لإرادة الله مدخلا أصيلا في بلوغ السبب غايته.. ونحن نقدر بواعث هذا التفكير، ونحترم الغاية الشريفة المقصودة منه، فإذا كان في الدنيا من ينكر وجود الله، ومن ينسب شئون الحياة والموت والحركة والسكون إلى طبيعة العناصر وحدها، فإنه حق على المتدينين قاطبة أن يتدخلوا في هذا التفكير ليعترضوا مسيره. وانتصاب مفكرى الإسلام لخوض هذه المعركة، دفاعا عن الحقيقة العليا، أمر ينبغى أن يتناوله بالإكبار أى مفكر يهودى أو نصرانى. ولذلك نحن نرى من سماجة الخصومة أن يتندر مبشر أو مستشرق بهذا السلوك. ولنعد إلى الموضوع نفسه: هل السبب خالق حقيقى لما ينشأ عنه؟ أم هو مظهر لقوة قارنته وتلبثت به وفاضت عليه من خارج؟ إن علماء المسلمين لا يرونه خالقا حقيقيا لما تمخض عنه. الماء سبب للإنبات، لأن هذه الخاصة فيه عرضت له ممن خلقه، فنحن لا نشك في صلاحيته للإنبات، ولا في قابليته لحمل السفن مثلا. لكن الذى نريد توكيده أن هذه الخواص مفاضة عليه من الخالق الكبير، فهو الذى جعله كذلك. وهنا يجىء سؤال آخر: هل الإله الذى خلق العالم استقال من إدارة الوجود وتركه يسير وحده؟! أم لا يزال يباشر الإشراف على كل ذرة في مملكته المترامية الأطراف والأبعاد؟ إن علماء المسلمين يقولون: إن سيطرته مطلقة وهيمنته تامة على كل شىء. فما يصل سبب إلى نتيجته إلا لأنه يستمد وجوده الأصلى وخصائص هذا الوجود لحظة فلحظة من الله رب كل شىء، وبانيه وهاديه. ومعنى هذا بداهة أنه يستطيع- لو شاء- تعطيل أى سبب عن أداء وظيفته. هذه المعانى هى التى يريد علماء المسلمين الاطمئنان إلى تقريرها، وكلامهم في الأسباب والمسببات يدور داخل هذا النطاق. والمقصد- كما قلنا- حق وشريف. ص _113

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت