فهرس الكتاب
وإذا كانت العبارات الدالة عليه أو الوسائل الممهدة له تضطرب في الأفهام وعلى الألسنة أحيانا، فإنما المهم هى الغاية، وهى حق. وتسجيل تلك الغاية أمر حتم حين نجابه الملحدين في ذات الله من وجوديين وشيوعيين وأشباههم من الدواب الثرثارة في هذه الأيام. إن علماء الإسلام ما فكروا في هدم التماسك بين الأسباب والمسببات. وإنما أرادوا الرد على منكرى الألوهية، أو على من يتصورونها آلة محدودة الصلة والسلطة. فإذا كان لدى اليهود والنصارى من أصحاب الأديان السماوية فكر أشرف من هذا في تنزيه الله وتمجيده، فليتفضلوا بعرضه ولو عن طريق المبشرين والمستشرقين، ونحن نقبله للفور فما نتراخى أبدا في قبول أى منطق يعظم الله. قد تكون عبارات الأشاعرة جانحة إلى إثبات المدخل الإلهى في كل أمر. وهذا يوهم النيل من قانون السببية، وعندى أن هذا الجنوح يرجع إلى طبيعة الرد على الخصوم أكثر مما يرجع إلى جحد السببية. خصوصا في المجادلات المجنونة التى دارت رحاها في علم الكلام. ويعجبنا قول الشيخ جلال الدين الرومى في هذا الموضوع:"وقعت فرق إسلامية في مسألة الأسباب والعلل بين الإفراط والتفريط. فمذهب الحكماء أن العالم خاضع خضوعا تاما لسلسلة العلة والمعلول، المعلول لا يتخلف أبدا عن العلة والمسبب لا ينفك حينا عن السبب ويميل المعتزلة إلى هذا الرأى فإذا قرروا علة لشىء، أو اعتقدوا خاصية وتأثيرا في شىء رأوا ذلك ضربة لازب لا يقع خلافه إلا في نادر النادر. ولذلك تراهم يستبعدون وقوع شىء خلاف خاصيته، أو وقوع حادثة من كير سبب. ويجتهدون في تعليل ما ثبت من ذلك في القرآن والحديث، وتواتر نقله من المعجزات والخوارق وردها إلى الأسباب العادية والعلل الطبيعية. فإذا أخفقوا في ذلك- وهو نادر جد ا- اعترفوا بالمعجزة مضطرين. والأشاعرة بالعكس من ذلك، إنهم على طرف آخر يقررون أنه لا شىء علة لشىء آخر، ولا خاصة في شىء ولا تأثير. وقد أضر هذا التطرف أيضا وأحدث"