الصفحة 111 من 228

شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون). والأنبياء يعرفون الأسباب الباطنة ويرونها كما نعرف الأسباب ونراها، ثم هم يؤمنون بأن السبب الحقيقى الذى تنتهى إليه جميع الأسباب والعلل، والذى هو مصدر كل حادث وعمل هو الإرادة الإلهية . ص _115

إنهم يشاهدون هذه الإرادة الإلهية تتصرف في الكائنات وتتحكم في هذا العالم، وتعلو كل إرادة وكل قانون، وهى التى يخضع لها نظام الكون، وهى التى تخلق في الأشياء خاصيتها ثم تجردها منها إذا شاءت، وتغير طبائع الأشياء وفطرها. فتجعل من النار بردا وسلاما. ويرون الأسباب الظاهرة ضعيفة حقيرة تافهة أمام الأسباب الباطنة، ثم يرون الأسباب الباطنة ضعيفة حقيرة تافهة أمام السبب الحقيقى:"المشيئة الإلهية" (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) . ويبالغ الناس قصيرو النظر- بتأثير الجاهلية والمادية- في تقديس الأسباب والإيمان بقوتها وتأثيرها، والتمسك بها، والعكوف عليها. ويتخذون الأسباب أربابا من دون الله. ويتغافلون عن سبب الأسباب ورب الأرباب، ويعكفون على عبادة الظواهر والمظاهر. هناك يقوم الأنبياء يحاربون هذه الوثنية- وثنية الأسباب- ويدعون الناس للانتقال من الأسباب إلى المسبب، ويُجرى الله على يدهم- تنبيها وتعليما- حوادث تنتقض بها قوانين الطبيعة، ويظهر بها ضعف الأسباب وعجزها، وتتجلى بها قدرة الله المطلقة، وإرادته الحرة، ومشيئته القاهرة، وأنه يملك زمام الكون، وبيده ملكوت كل شىء، وهو قادر على كل شىء، غير مفتقر إلى الأسباب وغير متقيد بها، فتنفلق لهم البحار، وتنفجر لهم الأنهار من غير الأسباب العادية، وتنشأ لهم الزروع والحقول من غير زراعة ويتحول الرمل دقيقا، والصوف حريرا، وتنتصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، ويملك الفقير الضعيف، ويهلك الغنى القوى. (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت