فهرس الكتاب
بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) أ. هـ. ص _116
الجماهير وقانون السببية: وقانون السببية ليس بحثا نابعا من طبيعة الترف العقلي، أو هو حوار مقطوع الآصرة بحياة الناس في الغدو والآصال. لا. إن الكلام في هذا الموضوع يشتبك بصميم الحياة العامة، فلا عجب إذا خاض فيه الوعاظ ودرسوه للناس في المساجد. والدرس المشوش لهذا الموضوع مدمر للمجتمع وماس بحقيقة الإيمان. إن المدرس اللبق هو الذى يبذر في النفوس الحرص على احترام الأسباب والأخذ بها في كل حركة وسكون، لأن ذلك حق يعاب جهله. وهو في الوقت نفسه يبصر المؤمنين بأن الله من وراء كل سبب. وأن إرادته العاملة في الأسباب هى التى تصوغ النتائج. أو أن هذه الأسباب المنتجة هى معنى إرادة الله. المهم هو التذكير بأطراف الحقيقة كلها، فيعرف الفلاح مثلا أن الله هو الزارع الحقيقى، ويعرف إلى جانب ذلك أنه هو والتربة التى يكدح فوقها أسباب لابد منها، وأنه لن يستطيع الحصول على ثمرة دون هذه الأسباب. إن الخواص المودعة في الأسباب حق. بيد أنها أشبه بالتيار الكهربائى السارى في الأسلاك، يبقى ما بقى المصدر المولد، وإلا أصبح السلك عاطلا باطلا. كذلك الأسباب كلها إذا عريت عن المشيئة العليا. وفى لفت نظر الجمهور إلى ضرورة الأسباب وتوفيرها، والعناية بجمعها وترتيبها يقول ابن الجوزى:"عرضت لى حالة لجأت فيها بقلبى إلى الله تعالى وحده، عالما بأنه لا يقدر على جلب نفعى ودفع ضرى سواه. ثم قمت أتعرض بالأسباب فأنكر على يقينى، وقال: هذا قدح في التوكل. فقلت: ليس أمر الأسباب كذلك، فإن الله تعالى وضعها من الحكم. وكان معنى حالى أن ما وضعت لا يفيد، وأن وجوده كالعدم. ص _117"