الصفحة 115 من 228

ومن الصالحين من يعبر بسرعة قنطرة الأسباب ليشهد مشيئة الله وحكمته وتدبيره وقدرته فيما يقع له ولغيره من الخلق. وعندما تحتبس الأنظار المحدودة وراء الأسباب وحدها ينبغى تذكيرها بالله، ليكون هذا التذكير"عامل توازن"فى فهم أطراف الحقيقة. ولابن الجوزى كلام رفيع في وصف العلاقة بين بعض الأصفياء وربهم ينبغى أن يفهم داخل الإطار الذى رسمناه آنفا، قال رضى الله تعالى عنه:"قلوب العارفين يغار الله عليها من الأسباب، وإن كانت لا تساكنها لأنها لما انفردت لمعرفته انفرد لها بتولى أمورها. فإذا تعرضت بالأسباب محا أثر هذه الأسباب: (و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) . وتأمل في حال يعقوب وحذره على يوسف عليهما السلام حتى قال: (ِ وأخاف أن يأكله الذئب) (فأكله الذئب) فلما جاء أوان الفرج خرج"يهوذا"بالقميص فسبقته الريح فقال: (إني لأجد ريح يوسف) وكذلك قول يوسف عليه السلام للساقى: (اذكرني عند ربك) فعوقب بأن لبث سبع سنين في السجن، وإن كان يوسف عليه السلام يعلم أنه لا خلاص إلا بإذن الله، وأن التعرض بالأسباب مشروع غير أن الغيرة أثرت العقوبة. ومن هذا قصة مريم عليها السلام (وكفلها زكريا) فغار المسبب من مساكنة الأسباب فتولاها بفضله ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) ومن هذا القبيل ما يروى عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب". والأسباب طريق ولابد من سلوكها، والعارف لا يساكنها، غير أنه يجلى له من أمرها ما لا يجلى لغيره من أنها لا تساكن، وربما عوقب إن مال إليها، وإن كان ميلا لا يقبله، غير أن أقل الهفوات يوجب الأدب. ص _1 ص"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت