فهرس الكتاب
جعل العرب خلال خمسة قرون سادة الموقف؟ أهو الجوع الذى أحسوه في جاهليتهم فأطلقهم من مواطنهم بغاة خبز وسمن وعسل؟ ثم هناك شىء آخر . . ص _125
لقد كان جيران العرب يسكنون في أودية خصبة من الأزل، وكانوا هم في جزيرتهم عفاة يتقاذفهم سراب الصحراء. فما الذى أسكت العرب عن الغزو هذا الدهر؟! وما الذى صبرهم على الجدب حتى جاء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأغراهم بالنيل والفرات وسائر أنهار الدنيا؟! وأى جوع هذا الذى أفقد العرب كل فكر سياسى فجعلهم يهاجمون الروم والفرس في وقت واحد. لقد كان بين الدولتين خصام عنيف، فلو انفرد العرب بإحداهما ما تحركت الأخرى، ولسرها أن ترى مصرع عدوها. لكن العرب المهازيل الجياع، افتتحوا جبهتين عريضتين في يوم واحد، وكان حماسهم الدينى من المضاء والرهبة بحيث انهارت أمامه الجيوش المدربة. فهل هكذا يفسر التاريخ؟ أو ما يستحى المستشرقون والمبشرون من ترديد هذا الهراء؟ لماذا لا يعترفون بالفساد الذى عم أرجاء الأرض، ويقرون أن العرب قدَّموا للحياة مجتمعا أفضل، ومستوى علميا وخلقيا أرقى وأزكى مما عرف الرومان والفرس جميعا؟ إن الإسلام الثرى بالقيم الفكرية والروحية، والمثل السياسية والاقتصادية هو الذى فتح الأقطار، لا العرب الجياع. وإن التغيير العالمى الحاسم الذى أحدثه الإسلام في كل شىء، يرجع إلى إرادة الله العليا في بناء الإنسانية من جديد على أنقاض الوثنيات الدينية والسياسية السائدة. الإسلام ميلاد جديد للعالم:"نستطيع من غير أن نُغضب المؤرخين أن نجعل ظهور الإسلام هو الفاروق بين عالم قديم كان يقاسى لهاث الموت ، وعالم جديد كان يستهل استهلال الحياة، وأن نطلق الوصف بالجاهلية على العالم القديم شرقية وغربية، والوصف بالإسلامية على العالم الجديد كله مسيحية ومحمدية.. ص _126"