فهرس الكتاب
ومما يعزز هذا التقسيم أن الله جل جلاله قد أرسل رسوله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهدى إلى الناس كافة، وكانت سنته- من قبل- أن يرسل من اصطفاه إلى البلد الذى فسد، والشعب الذى شرد. فلما عمت الجهالة وشاعت الضلالة، اقتضت حكمة الخالق أن تكون الرسالة عامة، والدعوة شاملة. ومن طبيعة الشريعة العامة أن تكون كاملة لا ينالها النقص متجددة لا يعتريها البلى، صالحة لكل نفس ولكل أفق، حتى يكون فيها لكل داء علاج، ولكل قوم منهاج، ولكل مشكلة حل. وتلك هى الخصائص المميزة للشريعة التى انقطع بعدها الوحى، ولصاحبها الذى اختتمت به الرسل. كانت الجاهلية العالمية التى سبقت الإسلامية العالمية ليلا موصول الظلام بالأزل، مبسوط الهول على الأرض. ومن حقبة إلى حقبة كانت تضيء سماءه الداجية ومضات من عقل الإنسان في طيبة وآثينا، وأشعة من وحى الله في سيناء وأورشليم. حتى إذا خبا نور العقل بحيوانية الرومان، وخفت صوت الوحى بمادية اليهود، أطبق الظلام في كل سماء، وغشى الضلال على كل أرض، وسارت قافلة الحياة غوية تخبط في مجاهل البيْد، يسوقها من الشرق الفرس، ويقودها إلى الغرب الروم، ولم تكن الروم في القرنين السادس والسابع للميلاد إلا دولة منحلة، ألح عليها سرف الغنى وترف العيش وفساد العقيدة وتباين المذاهب، حتى انتهى أمر دينها في بيزنطة إلى خلاف مستحكم في طبيعة المسيح، وجدل متحكم في صفات هذه الطبيعة. وآل أمر دنياها في روما إلى استغراق في شهوات الحس ونزوات النفس كفكفت من سلطان العقل، وطأطأت من إشراف الروح، وكان من هذا الدين المسيخ ومن هذه الدنيا الداعرة أن قام في شطرى الإمبراطورية الغازية نظام الحكم السفيه الفاجر أرهق الأمة بالضرائب وأفسد الحكومة بالرشا، ولوث المجتمع بالرذائل، وأشعر الناس مذلة الرق فعظموا القادة، وقدسوا السادة، وألهوا القياصرة، حتى انحدر السيد والمسود، والعابد والمعبود، إلى هوة لا قرار لها إلا العدم. ص _127