الصفحة 122 من 228

كذلك لم تكن الفرس في ذلك العصر نفسه إلا حطام دولة وغثاء جيل، مُنيت بما مُنيت به الروم من تحلل العقيدة وتعفن الأخلاق، وسطوة الشهوات، وتفاوت الطبقات، وطغيان الملوك، وبطلان الدين وأربت عليها بنشوء المذاهب المعوجة فيها، وغلبة الميول الشاذة عليها، فمن"رمزية"زرادشت الذى مهد للمجوسية الحمقاء، إلى"عدمية"مانى الذى حرم الزواج استعجالا للفناء، إلى"وجودية"مزدك الذى جعل الناس شركة في الأموال والنساء إلى حال من الاجتماع العفن والنظام البالى لا يعيش فيهما حر ولا يدوم عليهما ملك. وكان الناس من وراء هاتين الدولتين يعيشون على حال أسوأ من هذه الحال، وفى درك أسفل من هذا الدرك، فالعرب واليهود قد وصفهم الكتاب العزيز بما لا بيان بعده، والهنود وأهل الصين كانوا من البوذية والبرهمية في وثنية إباحية لا حصر لأصنامها، ولا حد لأوهامها، ولا علاج لما ابتلتهم به أدواء خلقية واجتماعية بعضها يبيد عالما بأسره. أما الشعوب الأوروبية في الشمال والغرب فكانت لا تزال خارج الوجود المتمدن، لا تشعر بأحد ولا يشعر بها أحد. * * * على هذه الحال الأليمة والقيادة المضلة كانت قافلة الحياة تسرى! ظلام مخيم على الكون كله! فيه التهاويل التى تفزع كل نفس، والعراقيل التى تصدم كل قدم، والشياطين التى توسوس هنا بالفتنة وتغرى هناك بالإثم، وتعبث هنالك في الدين، وتستعين دائما بحواء على إغواء آدم! وما كان الله- جل شأنه- ليكل ركب الخليقة إلى نفسه، فيعمه في هذا التيه وقد قضى عليه أن يقطع مراحل الدنيا، ويبلغ غاية الأجل. لذلك أذن- وهو الرءوف الرحيم- لهذا الليل أن يصبح، وشاء- وهو الخبير العليم- أن يكون إسفار صبحه من غار حراء. * * * كذلك خط الإسلام طريقه في الحياة، زكاء في القلب، وسناء في الفكر، وقياما بالحق، ورحمة بالناس، ورعاية لله في كل شأن خاص أو عام. ص _128

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت