فهرس الكتاب
وكان الاستعلاء على مغريات الأرض، والاستمكان من قهرها خلقا معروفا في المسلمين قبل الهجرة وبعدها. فالمسلم في مكة كلفه إيمانه التضحية بنفسه وماله وقراره، وهو يكافح السلطات التى تريد فتنته. والمسلم في المدينة حمل الأعباء نفسها أو أشد منها، وهو مشتبك في صراع الحياة أو الموت مع أعداء الإسلام الهاجمين عليه من كل فج. وقد تعلم المسلمون من رسولهم أن العمل بالنية، وأن من خلط جهاده بطلب غنيمة أو حب ظهور، فقد ضاع أجره وحبط عمله. وقد سردنا الآيات والأحاديث المصرحة بذلك آكد تصريح في كتبنا الأخرى . ومن هذه النصوص المضيئة، ومن سير الفتح نفسه يحكم المنصف أن هذه الفتوح كانت رحمة بالعالمين. وأن أهلها كانوا نماذج للتجرد والرغبة في الآخرة. بيد أن"جولد تسيهر"يريد إيهامنا بأن الإسلام في مكة كان دين تجرد، أو بتعبيره:"دين زهد"أما في المدينة فهو دين طمع وتطلع، يقول في البواعث الدنيوية على الفتح (ص 134) :"وهذا ما فطن إليه النبى حينما جد في إثارة حماس جنوده بواسطة"المغانم الكبيرة"التى وعد الله بها المجاهدين، وعندما نقرأ القصص القديم"لمغازى"النبى ندهش حقا من بيان الأنصبة الجزيلة، والسبايا التى تجمعت عن هذه الحروب. وهذا ناموس طبيعى حتمى يترتب على كل حرب مقدسة، غير أن النبى لم ينكر مع ذلك الغايات الأكثر سموا التى ينبغى أن تفضى إليها هذه الغزوات والحروب فقد ظل ينهى عن الاقتصار على التماس طيبات الحياة الدنيا (فعند الله مغانم كثيرة) ، (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) فنعمة الزهد التى تتخلل التعاليم المكية الأولى بقيت كعنصر مذهبى اعتقادى في الحالة الواقعية في المدينة. غير أن الحقائق قد شغلت أذهان الجماعة الإسلامية الصغيرة ودفعتها في مسالك أخرى، غير تلك التى كان يسير فيها الرسول في بدء دعوته، ويحمل أتباعه على السير فيها". ص _129