الصفحة 131 من 228

فهل هذه الآيات المكية تحث على هذا الزهد والتقشف؟! وفي سورة القصص وهى مكية يقول الله تعالى لقارون: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) . فهل هذه الآية تفيد ترك الدنيا؟! نعم وردت في القرآن الكريم آيات تفسر حدة الغرور بالدنيا وتمسك النفس بلجام شديد الشكيمة حتى لا تنطلق مع الشهوات المطاعة، وتذهل عن الله والدار الآخرة. وهذه الآيات حق لا مراء فيه. ولكن من قال: أن هذه الآيات اختص بها القرآن النازل في مكة، وخلا منها القرآن النازل في المدينة؟ إنها هنا وهنا علي سواء.. ففى سورة الأنعام المكية يقول الله: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) . وفى سورة الحديد المدنية يقول تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) . إن الإسلام في مكة والمدينة يرفض الزهد السلبى المنعزل عن الحياة ويطالب المؤمنين أن يجمعوا بين العمل لدنياهم وأخراهم. فليس هناك تناقض بين العهدين، وبالتالى لم يكن هناك ما يدعو إلى افتعال أحاديث لتسويغ هذا التناقض الموهوم. ومن ثم نعرف قيمة ما يقوله (ص 139، 140 ، 141 ، 142) :"وفى الحق كثيرا ما يصادفنا في وثائق الفكر الدينى دلائل الاستنكار الصريح غير الخفى للزهد المتجاوز للحد المألوف أو لما تتطلبه أحكام الشرع، مع أن النبى في السنوات العشر الأولى من بعثته كان دون ريب يحبذه بلا قيد أو تحفظ (!) وهذا يدل على أننا الآن نواجه روحا طرأ عليها تعديل كبير"ثم يمضى في تحامله على السنة دون ما سبب فيقول: ص _136

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت