الصفحة 132 من 228

"وهنا كان على الحديث أن يقدم الوثائق المعززة لهذا التعديل، فالطموح إلى المثل العليا الأخروية لم يتيسر بطبيعة الحال محوه من النظرية الإسلامية للحياة، بل تحتم على المسلم أن يساهم بنصيب مساو في القوة والأهمية في رعاية المصالح الدنيوية. وفى هذا المعنى استشهد بأحد تعاليم النبى المجانسة لنظرية أرسطو وهى التوسط في الأمور فقد روى عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه". وقد وردت في كتب الحديث أمثلة للزهد المتطرف بصورة تدل على استهجان النبى لها. ومن أبرز الوثائق وأكثرها دلالة في هذا الصدد، ما ينحصر في الروايات المتصلة بميول الزهد عند عبد الله بن عمرو بن العاص.. وأبوه أحد مشاهير القواد في الصدر الأول للإسلام، فإن هذه الروايات تصوره على خلق يناقض أباه مناهضة تامة، وتجعله من أتقى الصحابة وأقواهم حماسة في الدين، وأشدهم غيرة وتدقيقا في اتباع السنة. وقد بلغ النبى أن عبد الله هذا فرض على نفسه صوما دائما، وأنه حرم على عينه الرقاد ليقضى الليل في تلاوة القرآن، فنصحه وجد في زجره ليقتصر في عادات زهده على الحد المعقول. ومن قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ له:"فإن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا"كما قال أيضا:"لا صام من صام الأبد"أى لا يثاب على مثل هذا الصوم، وتنسب للنبى أقوال كلها ذم وتأنيب لهؤلاء الذين يهملون مصالحهم الدنيوية، لكى يتفرغوا لأداء ما لا نهاية له من عبادات ما بين فرض ونفل. ففى ذات مرة أطرى الصحابة للنبى رفيقا لهم في سفر كان لا يعمل شيئًا سوى تلاوة الأدعية طالما كان راكبا، وإقامة الصلاة عندما ينزلون. فسأل النبى:"فمن كان يكفيه علف بعيره وإصلاح طعامه"؟ قالوا: كلنا. قال:"فكلكم خير منه". وتوجد أحاديث كثيرة خاصة بالمغالاة في التكفير والتوبة وصنوف التعذيب الجسدى واحتمال المشقات اختيارا وزهدا، وهى أمور كان"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت