فهرس الكتاب
روى أن امرأة رأت يوما فتية يتئدون في سيرهم ويتحفظون في حديثهم مما يتناقض كثيرا مع ما جبل عليه العربى من طلاقة في القول وخفة في الحركة، ولما استخبرت عنهم وهى متعجبة من أمرهم أجيبت بأنهم نُساك. فلم تستطع أن تخفى عمن حولها ما لاحظته وقالت:"كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقا"ولو تدبرنا ما جاء في الآية التاسعة عشرة من سورة لقمان: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) لزعمنا بأن النبى لو كان قد صادف أمثال هؤلاء الفتية لأقرهم على نسكهم"أ. هـ. ونقول: لا، ما يقرهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هذا النسك المبتدع. وعمر بن الخطاب أقرب إلى هدى رسول الله، وأعرف بسنته، وأصدق في شرح الإسلام والدلالة على طبيعته من هذا المستشرق. أما الأمر بالقصد في المشى، والغض من الصوت فهو أدب يضاد مشية الخيلاء، ورنة الكبرياء اللتين يألفهما العالون في الأرض، وليس المعنى أن يمشى الإنسان متقاصر الخطو، أو يتحدث همسا حيث ينبغى أن يتكلم بصوت جهير... ويستطرد"جولد تسيهر"فيذكر أن هؤلاء الزهاد- الصادقين في نظره- شددوا على أنفسهم في الصوم، وأنهم تركوا اللحوم، ولبسوا الخشن قربى إلى الله. ولما كان الحديث ـ في نظره ـ يصنع وينسب إلى الرسول، فإن الحرب المعلنة على الزهد في البيئة الإسلامية المنحرفة، صاغت شتى الأحاديث للرد على هؤلاء قال (ص 149) :"غير أن ما ورد من الأحاديث والحكم الناهية عن الإسراف في الصوم صرف إليهم ووجه ضدهم. فضلا عن أننا نصادف بينهم من امتنع عن تناول اللحم وهو نوع قديم من الزهد لدينا شواهد ترجعه إلى عصر الصحابة ذاته.."فزياد بن أبى زياد"من موالى بنى مخزوم صورته الروايات رجلا ناسكا يزهد في الدنيا ويديم العبادة، ويرتدى الخشن من الثياب الصوف ويحرم اللحم على نفسه، حتى أصبح في عهد"عمر بن عبد العزيز"أنموذجا ممثلا لجماعة الزهاد، ولا شك أن الحديث: