الصفحة 147 من 228

التصوف الحق وأسسه المقبولة: ويستطيع القارىء أن يطالع حقائق التصوف من الناحية الإسلامية في مثل كتابنا"الجانب العاطفى من الإسلام". ولا أريد هنا أكثر من توكيد معنى يتصل بالزهد. إن الزهد الناشىء عن الحرمان أو العجز ليس فضيلة كاملة. نعم قيل في بعض الحكم:"من العصمة ألا تجد"وقد تصلح أحوال بعض الناس في ظل قلة من المال والجاه. وربما صفت نفس إنسان معتزل في قرية بعيدة. وأنا أشعر في أحيان كثيرة بأن الانقطاع عن الخلق سعادة. وقد اعتقلتنى بعض الحكومات، فلما أفرج عنى وكابدت أعباء الحرية وتكاليف النشاط العام غبطت المعتقلين الذين سقطت عنهم هذه الواجبات كلها، ثم أيقنت على ضوء التجربة أن الرهبنة أسلوب ماكر يبدو منه الفرار من الحياة وكأنه انتصار عليها..! والإسلام أكبر من هذا. الإسلام اقتحام لمعركة الحياة، وانغماس في أفراحها وأتراحها، وقدرة مصاحبة للسيطرة عليها وإحسان توجيهها نحو الغاية المنشودة، وتبعا للعقيدة التى تغمر الفوائد. وقد قلت في كتابى"من معالم الحق":".. وخير ما يقال في داعية، أنه استغنى عن دنيا الناس، فلم يخافوه عليها، وبذل ما لديه من خير فهرعت إليه الوفود ترجوه. وهذا المعنى هو ما أكده نوح لقومه: (فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين) . وصدق من قال: أذل الحرص أعناق الرجال. إنه ليس أعصى على فنون الإغراء من الرجل الزاهد ينظر إلى الناس وهو بنجوة من مشاعر الرغبة التى تدنيه حيث يجب أن يبعد، أو مشاعر الرهبة التى تبعده حيث يجب أن يدنو. كلا، إن غناه في قلبه حصنه من هذه الثغرات التى تستذل الملوك. فهو ملئ النفس، رفيع الرأس بما يدخره عند الله وحده. ص _152"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت