الصفحة 148 من 228

وتنزيه الدعوات عن المتاجرة بها هو معنى الزهد الذى لاذ به الأئمة واحتفى به العلماء. فليس الزهد هو الجهل بالحياة وهجرة أسباب العمل وقصور الباع في مختلف الحرف، وترك زينة الدنيا عجزا عن بلوغها أو بلادة عن تذوق الجمال الذى أودعه الله لمحها. ورُب نبى استمتع بالمال والبنين وهو- مع ذلك- من الزاهدين! ورُب محروم عاش يشتهى ويتلمظ فما كان فقره رفعة لشأنه ولا زيادة في حسناته. إن الزهد ألا تبيع مُثلك العليا بملك الدنيا إن خيرت بين هذا وذاك. فإن الله عاب قوما بأنهم آثروا الأولى على الآخرة فقال: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين * أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون) أما أن تحس نعمة الله وتستمتع بها ويشوف بدنك وروحك حسنها فهذا ما لا يُضير رجلا مؤمنا مجاهدا وفيا لفضائله. ألا ترى القرآن الكريم ينبه إلى ناحية من نعم الله على أبناء آدم فيقول في تسخير الأنعام: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) . إن هذا الجمال منة تستحق التنويه، فما بالك بألوان الجمال الأرقى، وقد أتاحها الله جميعا للذين آمنوا...؟ إن أصحاب الدعوات قد تُحبب لهم من الدنيا أشياء، بيد أن شيئا مما يروقهم فيها لا يحجبهم عن الله، ولا يهون عليهم الحق، ولا يذلهم للناس… * * * * مبادئ الانحراف: ونريد الآن أن نجيب على هذا السؤال: أسرى الغلو في الزهد إلى البيئة الإسلامية من جهات خارجية وثقافات دخيلة، أم أن له أسبابا أخر!ا؟ والذى تؤكده الوقائع أن نزعات الغلو بدأت على عهد الرسول نفسه. ص _153

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت