فهرس الكتاب
ونحن نعرف قصة الثلاثة الذين رغبوا في مزيد من العبادة. فقال أحدهم: أنا أصوم النهار لا أفطر أبدا. وقال الثانى: وأنا أقوم الليل لا أنام أبدا. وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء. ونعرف أن الرسول العظيم رفض هذه السيرة الخشنة، وعدها خروجا على سنته، وانصرافا عن طريقته وشريعته، وقال"لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى"ثم جاء بعد ذلك الخوارج وهم عرب أقحاح ، ومعارفهم لا تتجاوز فقههم الخاص في الإسلام فغلوا في فهمهم وعملهم على سواء. لقد عدوا العصيان كفرا واختطوا لأنفسهم طريقا وعرة، وقصدوا بها مرضاة الله، ولكنهم ضلوا الوسيلة الصحيحة. وجمهور المسلمين لا يرضى مسالكهم، وإن كانت شديدة الحماس طويلة القيام والقراءة والركوع والسجود. ومن الإنصاف أن ننزه الخوارج، عن حياة الرهبنة. ومع أنهم كانوا أكثر عبادة من الرهبان، وأشد انعطافا إلى الله، لكنهم لم يهجروا الحياة والعمل لها، والعمل فيها، وكونوا أسرا يكدحون لرزقها وكسوتها. وأنا أذكر قصة هذا الخارجى الذى سهر ليلة المعركة يفكر في بناته إذا قتل وتركهن ثم يقول: وقد زاد الحياة إلى حبا بناتى: إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين الذل بعدى وأن يشربن رنقا بعد صافى فأرى نفسى أمام إنسان كبير القلب ممتد الشعور، يحب أولاده حبا جما إلا أنه يحب دينه أكثر من ذلك. فإذا نشب العراك في ضمير الرجل، أيقدم على الاستشهاد في سبيل ما يعتنق من مبدأ، أم يستبقى نفسه لبناته؟ فإن هذا العراك له دلالته الرائعة. فإذا قرر المضى إلى الموت بعد ذلك مستودعا الله ذريته، فتلك تضحية من طراز لا يعرف الرهبان نظيرا له أبدا. ص _154