فهرس الكتاب
إنهم لا يبالون بشىء، ويهملون الدنيا إهمالا مطلقا، وينبذون كل تصرف ذاتى يحملهم على الاهتمام بمصالحهم الخاصة، بل يتركون أنفسهم تركا لعناية الله وقضائه، ويجعلونها بين يديه لا إرادة لها ولا حركة، كالميت بين يدى الغاسل، والراسخون في هذا المعنى يطلق عليهم"المتوكلون"أى الذين وضعوا ثقتهم في الله. ونروى عنهم- في معرض الغض من شأنهم والزراية عليهم- طائفة من المبادئ والنظريات تبين مقدار ازدرائهم للعمل والسعى لكسب القوت وسد حاجات العيش، لأنهم يرون في الكد والسعى فقدانا للتوكل ونقصا في الثقة بالله، ويرون اللجوء لله مباشرة أفضل في قضاء ما يحتاجون إليه دون الاستعانة بالوسائط. وهؤلاء المتوكلون يجيبون الذين ينتقصونهم ويستنكرون كفهم عن السعى، وقناعتهم الساكنة المطمئنة، بأنها أشرف من اتضاع العمال وحقارة السائلين. إنها عندهم أسمى الطرق التى يقيم بها الإنسان أوده: فالعبيد كلهم في رزق الله تعالى، ولكن بعضهم يأكل بذل السؤال، وبعضهم بتعب وانتظار كالتجار، وبعضهم بامتهان كالصناع، وبعضهم بعز كالصوفية، فهم يشهدون العزيز فيأخذون رزقهم من يده، ولا يرون الواسطة، ويرون أن من الفضائل التى يمتازون بها أنهم لا يذكرون الغد في عداد أيامهم، فهم يقصون عن محيط فكرهم أن يعنى المرء بمستقبله أو أن يرعى شئونه وحاجاته. ويسوقون للتدليل على صحة دعواهم حديثا- يتجلى فيه الوضع- وهو:"أن الحكمة لتنزل من السماء، فلا تدخل قلبا فيه هم الغد"وعندهم أن من يضع في الله ثقته إنما هو"ابن الوقت"فإذا كان له تدبير في المستقبل وتطلع لغير ما هو فيه من الوقت، وأمل فيما يستأنفه لا يجىء منه شىء. ومن الثابت أن المبادئ الأساسية في مذهب هؤلاء القوم التجرد الكامل عن ضرورات الحياة، ونبذ طيباتها ومباهجها، أى أن كل من يندمج في زمرتهم فهو فقير"أ. هـ. هذا الزهد المغرق في ترك الدنيا، والإقبال على الله بشتى البدع، يقول عنه"جولد تسيهر"بعد"