الصفحة 167 من 228

ولم يختلف مسلم ومسلم في أن الله عدل، وأنه حكم بإثابة الطائع ومعاقبة العاصى وأخبرنا بذلك في كتابه العزيز، فكان ذلك وجوبا شرعيا نركن إليه ونقف لديه. ثم ثار هذا الخلاف السخيف بين المعتزلة وأهل السنة: هل ذلك واجب على الله عقلا أم لا؟! وهذا تساؤل سمج.. والخلاف هنا- كضروب شتى منه- وليد فراغ وتعطل، ولا يمكن تقسيم فرق على أساس تساؤل من هذا القبيل. ومن ثم قلنا في حسم: إنه لا توجد فرق دينية بالمعنى الذى تتشعب به الأمة الإسلامية، كما يتشعب نهر النيل في مجراه الأدنى إلى فروع وترع. يمكن القول بأن هناك مدارس فكرية أو مذاهب فقهية، أو اختلافات تطبيقية محدودة. وعندما يجرد هذا الخلاف من العوامل السياسية التى جمدته فبقى، أو ضاعفته فأساء، يبدو من الأمور المعتادة. وفى هذا القرن مثلا يوجد تنافس رائع بين ثلاثة أحزاب تقسمت الأمة الإنجليزية، يتولى أحدها الحكم، ويعارضه الآخران، فهل هذا يعنى أن الأمة الإنجليزية ثلاثة أقسام؟ كلا.. ولو أن الظروف التى واتت نشأة الأمة الإسلامية كانت أسعد، ما استشرت حدة الخلاف على هذا النحو الذى سجله التاريخ. ومع كل الملابسات التى ضخمت الآراء ووسعت الشقة فإن كيان الأمة سلم لها ورفض أئمة الإسلام أن يخرجوا من دائرة الإسلام مؤمنا اعتزل أو خرج أو تشيع. يقول"جولد تسيهر"فى (ص 188) :"إننا في الإسلام نجد أن الفرق الدينية الحقيقية التي يمكن أن تنطبق عليها هذه التسمية هى الجماعات التى تنكبت السُنة وابتعدت عن التعاليم الإسلامية المعتمدة التى أقرها المسلمون في مختلف عصورهم التاريخية، أى الأفراد الذين عارضوا الإجماع في المسائل الأساسية ذات الأهمية القصوى في نظر غالبية المسلمين. والانقسامات الدينية التى من هذا القبيل التى لا تزال قائمة في العالم الإسلامى في الوقت الحاضر إنما ترجع إلى أقدم عصوره التاريخية، ولا تعزى- كما قد يتبادر إلى الذهن- إلى اختلاف وجوه النظر في المسائل الدينية،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت