الصفحة 171 من 228

فاحتج البخارى بعمران بن حطان الخارجى. واحتج هو ومسلم بعبد الحميد بن عبد الرحمن الحمدانى، وكان داعية من دعاة المرجئة. ثم قال القاسمى: وبالجملة فكون هذه الفرق مجتهدة لها ما للمجتهد أمر لا يرتاب فيه منصف. ومن المقرر عند جميع العلماء أن المجتهد معذور، بل مأجور دان أخطأ، وإذا انتفى الإثم عن المجتهد فكيف يصح نبزه بالألقاب؟ وهل فرَّق الأمة وجعلها شيعا وأذهب ريحها إلا هذا التنابز والازدراء المعيب، مع ما يجمع الكل من أخوة الإسلام. وقد أنصف المقبلى في كتابه"العلم الشامخ"عند الكلام على المعتزلة حيث قال:"إنى لست بمعتزلى ولا بأشعرى، ولا أرضى بغير الانتساب إلى الإسلام وصاحب الشريعة عليه السلام، وأعد الجميع إخوانا، وأعتبرهم على الحق أعوانا"ا. هـ. مرونة الفكر الإسلامى.. ومسلك الحكام: منح الإسلام أهله حرية عقلية واسعة الأقطار، واستغل المسلمون هذه الحرية استغلالا فيه خير وفيه شر. وقد رأيت كيف نقلوا فضول تفكيرهم من المادة إلى ما وراء المادة، ومن الواقع إلى الخيال. وكأنهم أحسوا بأن عقولهم أحصت تصور ما ترى والحكم عليه، فشرعت تفترض من القضايا وتصدر من الأحكام ما لا معنى له. وفى هذا الجو الممتد دون قيود أو سدود، كان لابد أن ينشب الخلاف وتكثر المذاهب وتتشعب الأهواء. وإنى لأرمق تاريخ الإسلام طوال القرون التى خلت وأتأمل في سلسلة الآراء والأهواء التى انتشرت في عالمه العريض، فيغلبنى الدهش وأتساءل: أكذلك تتحول الحرية الفكرية إلى فوضى؟ لكأن دار الإسلام باتت بلا صاحب، فلكل إنسان أن يقول ما يشاء، ويدعو إلى ما يشاء. هل كانت الأديان الأخرى تنتهج هذه الخطة؟ لا.. لقد دخل الأسبان أرض الأندلس فلم يدعوا فيها مسلما ولا يهوديا ولا أرثوذكسيا ولا بروتستانتيا ولا أى نحلة أخرى تخطر بالبال وصبغوها بالمذهب الكاثوليكى وحده..!! ص _176

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت