فهرس الكتاب
إن الدعوة انفصلت عن الدولة من تاريخ مبكر، وذاك ما مهد لخلافات شاقة. يقول الشيخ محمد عبده:".. والسبب في بقاء قوة سلطان الخلاف والنزاع هو فشو الجهل وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التى ينتسبون إليها، والتى بجاهها يعيشون ويكرمون، وتأييد الأمراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة وقطع طريق الاستقلال العقلى على الأمة. لأن هذا أعون لهم على الاستبداد، وأشد تمكينا لما يحبون من الفساد والإفساد. فإن اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا ملزم للحاكم باتباعهم فيه. والخواص إذا اتحدوا اتبعهم العوام، وهذه هى الوسيلة الوحيدة لمنع استبداد الحكام. الدين يأمر برفع الشقاق والتنازع، وبالاعتصام بحبل الوحدة، وهذا هو معنى قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وقوله سبحانه وتعالى (و لا تنازعوا فتفشلوا) وقول النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". وقد خالفنا كل هذه النصوص، فتفرقنا وتنازعنا، وحارب بعضنا بعضا باسم الدين لأننا سلكنا مذاهب متفرقة، وكل فريق يتعصب لمذهبه ويعادى سائر إخوانه المسلمين لأجله زاعما أنه بهذا ينصر الدين، مع إنه يخذله بتفريق كلمة المسلمين، هذا سنى يقاتل شيعيا، وهذا شيعى يحارب أباضيا، وهذا شافعى يغرى التتار بحنفى، وهذا حنفى يقيس الشافعية على الذمية. ثم جاءهم المقلدون من الخلف يحاربون من اتبع طريق السلف. فهل جاءهم بهذا أمر من الله ورسوله، أو من الأئمة المجتهدين؟ كلا.. بل كان التعادى والتنازع عندهم انحرافا عن الطريق المستقيم، واتباعا لخطوات الشيطان"أ. هـ. ص _178