الصفحة 175 من 228

وضايقهم كذلك الخلاف المفزع بين أهل النص من السلفيين وبين المعتزلة، فما أن ظهر الأشعرى بمذهبه الوسط بين هؤلاء وأولئك حتى جمعوا الأمة عليه جمعا. وتأثرت بلا ريب المذاهب الكلامية والفقهية الأخرى عقب هذه الحركة، فمات منها ما مات، وانكمش منها ما انكمش. بيد أن هذا التصرف لم يحل المشكلة. فإن فقه الفروع يشمل العبادات والمعاملات، وإذا صح حبس أهل عصر في نطاق أنواع مخصوصة من التعامل المدنى فمن العسير سحب ذلك على العصور جمعاء. ثم لماذا تكون هذه المذاهب الأربعة وحدها هى الجديرة بالإحياء والاستدامة؟ إن هناك اجتهادات أخرى قمينة بالبقاء والترحيب مثل هذه المذاهب سواء بسواء.. ذاك في علوم الفقه.. أما في مباحث العقدية فإن علم الأشعرى الممثل الأحد للأصول الإسلامية لا يسوغ. ومن ثم تحرك العقل الإسلامى متخطيا هذه السدود. ويكاد أهل الذكر في عصرنا يجمعون على أن حرية الاجتهاد لا تعترف بالباب المغلق في الفقه الفرعى، كما أنها في قضايا الألوهية والنبوة تدرس مختلف الأفهام والأحكام غير متقيدة بشىء. أبو حامد الغزالى يضع أسس التقريب بين المذاهب الإسلامية: والعلاج الفذ أن نتعاون فيما اتفقنا عليه، وهو كثير لا حصر له، وأن يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وهو قليل لا يتحمل المط والضغن.. أما أن أعتنق مذهبا ما في الأصول أو الفروع ثم أتعصب له، وأتحامل على الآخرين ، فذلك ليس من الدين، وهو عرقلة لسير الأمة الإسلامية، بل هو إخماد لأنفاسها وإزهاق لروحها، كما أنبأنا التاريخ. وللإمام أبى حامد كلام نفيس ضبط به أنواع الاجتهاد التى تضم شتات الأمة في صعيد واحد، وتجعلها- على اختلاف فرقها- كتلة واحد، قال: ص _180

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت